16 مارس 2026

في تطور دراماتيكي يعكس حجم الارتباك الذي يسيطر على مفاصل الاقتصاد العالمي، كشفت تقارير صحفية دولية، وعلى رأسها ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن كواليس اجتماعات عاصفة شهدتها أروقة البيت الأبيض خلال الساعات الماضية. حيث وجه رؤساء كبرى شركات النفط الأمريكية تحذيرات شديدة اللهجة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، مؤكدين أن أزمة الطاقة التي اندلعت شرارتها عقب المواجهات العسكرية مع إيران ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مرشحة للتفاقم والتحول إلى "إعصار مدمر" يضرب الأسواق العالمية، في ظل حالة الشلل شبه التام التي تضرب حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الأهم لنقل الخام في كوكب الأرض.
تلك الاجتماعات التي ضمت "أباطرة" قطاع الطاقة، وفي مقدمتهم دارين وودز رئيس شركة "إكسون موبيل"، ومايك ويرث رئيس "شيفرون"، ورايان لانس رئيس "كونوكو فيليبس"، وضعت النقاط على الحروف أمام صانع القرار الأمريكي، حيث نقل هؤلاء المسؤولون مخاوف حقيقية من احتمالية حدوث نقص حاد في إمدادات الوقود المكرر، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا إذا ما دخلت "لوبيات" المضاربة في الأسواق على خط الأزمة. والحقيقة أن لغة الأرقام لا تكذب، فقد سجلت أسعار النفط الأمريكية قفزة صاروخية من 87 دولارًا إلى نحو 99 دولارًا للبرميل في غضون أيام قليلة، مدفوعة بتصاعد الهجمات على السفن الناقلة في منطقة المضيق، مما خلق حالة من الفزع لدى المستهلكين والمنتجين على حد سواء.
وعلى الرغم من محاولات التهدئة التي يبديها الرئيس ترامب، والذي غرد عبر منصاته للتواصل الاجتماعي مقللاً من حجم المخاوف ومذكراً العالم بأن الولايات المتحدة هي المنتج الأكبر للنفط حالياً، وأن ارتفاع الأسعار يعني "المزيد من الأموال" للخزانة الأمريكية، إلا أن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيداً. فالإدارة الأمريكية تجد نفسها الآن أمام خيارات أحلاها مر، حيث تدرس مجموعة من الإجراءات الاستثنائية لاحتواء الغضب الشعبي المحتمل من غلاء الوقود، تشمل تخفيفاً إضافياً للعقوبات المفروضة على النفط الروسي، وضخ كميات ضخمة من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي في الأسواق، بل والبحث عن مخارج قانونية تتيح زيادة نقل الخام بين الموانئ الأمريكية لتعويض العجز.
وفي سياق المحاولات المستميتة لإنقاذ الموقف، تسعى واشنطن لفتح قنوات إمداد بديلة من فنزويلا، في خطوة تعكس حجم الضغط الذي تمارسه الأزمة على الدبلوماسية الأمريكية. وصرح دوج بيرجوم، وزير الداخلية الأمريكي، بأن الإدارة تعمل "على مدار الساعة" وبالتنسيق مع شركات الطاقة لاستعادة استقرار الأسواق، لكن هذا التفاؤل الرسمي يصطدم بواقع مرير يراه التنفيذيون في القطاع؛ حيث يؤكد هؤلاء أن كل هذه المسكنات لن تجدي نفعاً طالما ظل مضيق هرمز مغلقاً أو مهدداً، وهو الممر الذي يعبر من خلاله يومياً نحو خمس إمدادات العالم من النفط والغاز المسال.
التحذيرات لم تتوقف عند حدود نقص الإمدادات، بل امتدت لتشمل "الدمار الاقتصادي" الشامل، كما وصفه ستيفن برويت، الرئيس التنفيذي لشركة "إليفيشن ريسورسز"، مؤكداً أن وصول سعر البرميل إلى 120 دولاراً سيهدم القوة الشرائية العالمية ويؤدي إلى ركود تضخمي لا يمكن السيطرة عليه. والرهان الحقيقي الآن يتركز حول قدرة البنتاغون على إعادة فتح المضيق "خلال أسابيع وليس أشهر"، لفك أسر ما يقرب من 10 ملايين برميل نفط عالقة خلف التوترات العسكرية. إنها معركة تكسير عظام لا تتعلق بالسياسة فحسب، بل بمستقبل الاقتصاد العالمي الذي بات رهينة لمضيق مائي وصراع إرادات دولي.