22 ابريل 2026

في تطور دراماتيكي مفاجئ حبس أنفاس العواصم العالمية، وتصدر مانشيتات الصحف ووكالات الأنباء الدولية، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أجل غير مسمى، وذلك قبل ساعات معدودة من انتهاء سريان الهدنة التي كان من المقرر انقضاؤها الليلة، وتأتي هذه الخطوة، التي وصفتها الدوائر الدبلوماسية بأنها "مناورة اللحظة الأخيرة"، لتمكين الجانبين من استكمال مسار المفاوضات الشائكة الهادفة لإنهاء الحرب الضروس التي عصفت بالمنطقة وأودت بحياة الآلاف، فضلاً عن تسببها في هزات عنيفة لركائز الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وبحسب البيان الذي نشره الرئيس الأمريكي عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، فإن التراجع عن التهديدات العسكرية التي أطلقها في وقت سابق من اليوم جاء استجابة لمطلب مباشر من القيادة الباكستانية التي تلعب دور الوسيط النزيه في هذه الأزمة، حيث أكد ترامب موافقته على وقف الهجمات الأمريكية ريثما يتسنى للقادة الإيرانيين بلورة موقف موحد وصياغة اقتراح متكامل يعرض على طاولة البحث، مشدداً في الوقت ذاته على أن القوات البحرية الأمريكية ستواصل فرض حصارها الخانق على الموانئ والسواحل الإيرانية، وهو الإجراء الذي تعتبره طهران بمثابة "إعلان حرب" صريح ولا يقل خطورة عن القصف الجوي والمدفعي.
وعلى الرغم من نبرة "الهدوء النسبي" التي حملها قرار ترامب، إلا أن الأجواء في طهران بدت مشحونة بالتشكك والريبة، حيث سارعت وكالة "تسنيم" للأنباء، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، إلى التأكيد على أن إيران لم تطلب أساساً تمديد وقف إطلاق النار، مكررة وعيدها بكسر الحصار البحري الأمريكي باستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر، وفي سياق متصل، خرج مهدي محمدي، مستشار كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ليقلل من شأن الإعلان الأمريكي، واصفاً إياه بـ "الحيلة المكشوفة" التي يهدف من خلالها ترامب إلى كسب الوقت لترتيب صفوفه وشن هجوم مباغت، وأضاف محمدي في تصريحات حادة أن الحصار المستمر يمثل عدواناً عسكرياً قائماً لا يمكن السكوت عليه، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لتأخذ طهران بزمام المبادرة الميدانية، مما يعكس هوة الخلاف العميقة والانقسام الحاد في الرؤى بين الطرفين حول مفهوم "الهدنة" التي بدأت قبل نحو أسبوعين ولم تنجح حتى الآن في بناء الحد الأدنى من الثقة المتبادلة.
ويرى مراقبون للشأن الدولي أن تراجع ترامب عن تهديداته بقصف محطات الكهرباء والبنية التحتية الحيوية في إيران، ربما جاء لتفادي ضغوط دولية متزايدة، خاصة بعد تنديد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بتلك التهديدات ووصفها بأنها انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي الذي يحظر استهداف المدنيين، وكان ترامب، الذي أطلق شرارة الحرب بالتعاون مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، قد برر قراره بالتمديد بوجود "انقسام حاد" داخل أروقة الحكم في إيران، في إشارة واضحة إلى حالة الارتباك التي أعقبت عمليات اغتيال طالت رموزاً كبرى في البلاد، على رأسهم الزعيم الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي الذي خلفه ابنه مجتبى، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي "فرصة" للضغط الدبلوماسي، مؤكداً في مقابلة مع شبكة (سي إن بي سي) أن الولايات المتحدة تتفاوض من موقع قوة كاسحة، وأنها ستحصل في نهاية المطاف على ما وصفه بـ "الاتفاق الرائع" الذي يضمن المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل التي لم يتضح موقفها الرسمي بعد من هذا التمديد أحادي الجانب.
وفي إسلام آباد، التي باتت "غرفة عمليات" للدبلوماسية الإقليمية، أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن شكره العميق للرئيس الأمريكي لـ "قبوله الكريم" تمديد الهدنة، معتبراً أن هذه الخطوة تمنح الجهود الدبلوماسية "أنبوب أكسجين" هي في أمس الحاجة إليه، وأبدى شريف تطلعه لأن يلتزم الطرفان بوقف إطلاق النار فعلياً تمهيداً للجولة الثانية من المحادثات المرتقبة في العاصمة الباكستانية، بهدف التوصل إلى اتفاق سلام شامل ونهائي ينهي هذا النزاع الدامي، ورغم هذا التفاؤل الباكستاني، تظل الشكوك تحوم حول موعد وجدوى الجولة القادمة، خاصة مع استمرار "حرب التصريحات" والتمسك الأمريكي بالحصار البحري الذي تعتبره طهران عقبة كأداء أمام أي تقدم سياسي، وبينما يبقى الجيش الأمريكي في حالة استنفار وتأهب -كما وصفه ترامب بأنه "متحمس للانطلاق"- تظل منطقة الشرق الأوسط معلقة بين فوهة المدفع وطاولة المفاوضات، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج قد ترسم خريطة جديدة للقوى في المنطقة، أو تعيدها إلى أتون مواجهة كبرى لا يبدو أن أحداً يملك القدرة على التنبؤ بنهايتها.