10 اكتوبر 2026

ماذا لو أغلق الكاتب كل الأبواب التي يعرفه الناس من خلالها؟، ماذا لو وضع جانبًا الروايات والمحاضرات والكتب واللقاءات، ثم وقف وحده أمام مرآة لا يرى فيها إلا نفسه؟.
من هذه المنطقة بدأت حواري مع الكاتب والروائي والمحاضر هيثم غيظان. لا لأبحث عن إجابات جاهزة، ولا لأحصي محطات تجربته، وإنما لأقترب من الإنسان الذي يقف خلف الكاتب.
فهيثم لا يبدو منشغلًا بالوصول إلى إجابة نهائية بقدر انشغاله بالسؤال نفسه. وربما لهذا تصبح الكتابة عنده مساحة للبحث، لا إعلانًا عن امتلاك الحقيقة.
فهو يقول: "أكتب عنه لأنني ما زلت أبحث فيه. كلما ظننت أنني فهمت الإنسان، وجدت فيه مساحة أخرى لم أصل إليها."
ومن هنا بدأ الحوار...
"من أنا حين لا أحتاج أن أكون أحدًا؟"
الكاتب هيثم غيظان: روائي وأديب ومحاضر في علم النفس وتطوير الذات، ويعمل أيضًا في المجال الحكومي، وله حضور ومشاركات في المشهد الثقافي والأدبي.
بدأ تجربته الروائية من خلال رواية «جزاء الإحسان»، وصُنفت في المكتبة ضمن الأدب المعاصر، بينما رأى بعض الكتاب والأساتذة المختصين أنها تقترب من الخواطر الوجدانية والتأملات الإنسانية.
يراها هيثم «رواية وعي»، لأن قيمة التجربة عنده ليست فيما تفعله بنا لحظتها، وإنما فيما تصنعه في وعينا بعدها.
يعمل حاليًا على كتاب جديد بعنوان «ما بيني وبيني»، وهو خواطر وقصص نفسية، ويصفه بأنه مساحة يلتقي فيها الكاتب بالإنسان الذي بداخله، ويتناول الذات والوعي والتحولات الداخلية وما يبقى.
- هل يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد دون أن يتخلص من ماضيه؟
-- "لا أظن أننا نحتاج إلى التخلص من الماضي، بل إلى تغيير مكانه فينا. أن يصبح ذاكرة لا سجنًا، وجزءًا من القصة لا كاتبًا لها"
يُعدّ التسامح قيمة إنسانية نبيلة تساعد الإنسان على التحرر من ثقل الألم والغضب، لكنه لا يعني بالضرورة نسيان ما حدث أو استعادة العلاقة كما كانت فبعض الجراح قد تُغفر، لكنها تترك أثرًا لا يزول بسهولة. ومن هنا يطرح السؤال.
- هل التسامح يعني أن نتجاوز ما حدث، أم أن هناك أشياء نسامح أصحابها لكننا لا نستطيع أن نعود كما كنا؟
-- "التسامح لا يعني استعادة ما انكسر. أحيانًا أسامح لأنني لا أريد أن أحملك معي، وأبتعد لأنني تعلمت أن الغفران لا يلغي أثر التجربة".
- هل يمكن أن يصبح الألم مألوفًا إلى درجة يخاف الإنسان من فقدانه؟
-- "نعم، حين يصبح الألم جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. عندها لا يعود الشفاء مجرد خروج من الوجع، بل خروج من هوية اعتدناها"
- عندما يخطئ الإنسان، هل يكفي أن يتعلم من خطئه؟
-- «بعض الأخطاء تحتاج أن نفهم الإنسان الذي ارتكبها، لا الخطأ وحده. لأننا قد نتعلم ماذا حدث، دون أن نفهم لماذا كنا نحن هناك».
- لماذا يصعب على الإنسان أن يقول «لا» لمن يحب؟
-- "لأننا أحيانًا نخاف أن تكون «لا» بداية للفقد. فنقول «نعم» للآخر، ونبدأ بصمت في قول «لا» لأنفسنا".
- لماذا نعرف أن شيئًا يؤذينا ومع ذلك نبحث له عن الأعذار ونمنحه فرصة أخرى؟
-- "لأن الاعتراف بأننا أخطأنا في الاختيار قد يكون مؤلمًا أكثر من الاستمرار. أحيانًا لا نعطي فرصة للآخر، بل نعطي فرصة لصورتنا القديمة عن الأشياء كي لا تنهار".
- هل نحب الأشخاص كما هم، أم كما نحتاج أن يكونوا في حياتنا؟
-- "كثيرًا ما نحب الحاجة التي يملؤها الشخص فينا، ثم نظن أننا أحببناه هو. الحب الحقيقي يبدأ حين نترك للآخر حق أن يكون مختلفًا عن توقعاتنا".
يعيش الإنسان أحيانًا مشاعر يعجز عن التعبير عنها بالكلمات، فيبحث عمّن لا يكتفي بفهم حديثه، بل يشعر بما يخفيه خلف صمته. فالفهم قد يصل إلى العقل، بينما الإحساس يصل إلى أعماق الروح.
- هل يحتاج الإنسان إلى أن يُفهم، أم أن حاجته الأعمق هي أن يجد شخصًا يشعر بما لا يستطيع شرحه؟
-- «أحيانًا نحتاج شخصًا لا يطالبنا بأن نحول وجعنا إلى كلمات. بعض الأمان أن تجد من يفهم صمتك دون أن يقتحمه.
- ما الشيء الذي نخسره في داخلنا عندما نقضي وقتًا طويلًا في محاولة إرضاء الآخرين؟
-- نخسر صوتنا تدريجيًا. وفي لحظة ما قد نكتشف أننا أصبحنا جيدين جدًا في معرفة ما يريده الآخرون، وغرباء عن سؤال: ماذا أريد أنا؟"
- من وجهة نظرك ما الذي يجعل بعض الكلمات تبقى في داخلنا سنوات؟
-- لأن بعض الكلمات لا تأتي إلينا وحدها، تأتي وتلتقي بشيء كان موجودًا فينا قبلها. لذلك قد ينسى قائلها ما قال، بينما نبقى نحن نعيش صداه.
- عندما يقول لك شخص: «وجدت نفسي في نصك»، هل تشعر أنك نجحت في الوصول إليه؟
-- أشعر أن النص نجح في الخروج مني والوصول إليه. أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب أن تتحول تجربته الخاصة إلى مرآة يرى فيها شخص آخر نفسه.
- هل تخشى أحيانًا أن تكشف الكتابة عنك شيئًا لم تكن مستعدًا لأن تعرفه عن نفسك؟
-- نعم. أحيانًا أكتب لأكتشف أن الجملة كانت تعرف عني شيئًا لم أكن مستعدًا للاعتراف به. لهذا أتعامل مع الكتابة كمرآة، لا كمنبر.
- هل الكتابة بالنسبة لك وسيلة للنجاة من الأسئلة، أم أنها تزيد عدد الأسئلة؟
-- الكتابة لا تنقذني من الأسئلة؛ تجعلني أعيش معها بطريقة أقل خوفًا. وربما هذا هو شكل النجاة الذي أعرفه.
- هل تكتب عن الإنسان لأنك تفهمه، أم لأنك ما زلت عاجزًا عن فهمه؟
-- أكتب عنه لأنني ما زلت أبحث فيه. كلما ظننت أنني فهمت الإنسان، وجدت فيه مساحة أخرى لم أصل إليها.
- هل الكاتب يختار أفكاره، أم أن بعض الأفكار تختار أصحابها؟
-- بعض الأفكار لا تأتي كاختيار؛ تأتي كشيء يرفض أن يغادر. وربما تجد في الكاتب المكان الذي كانت تبحث عنه لتصبح صوتًا."
- عندما تكتب عن الأشياء التي تحدث داخل الإنسان ولا يراها أحد، هل تكتب لتكشف المخفي أم لتمنحه لغة؟
-- أكتب لأمنحه لغة. ما نستطيع تسميته يصبح أقل غموضًا، وربما أقل قدرة على التحكم بنا.
- إذا أزلنا عنك الكاتب والروائي والمحاضر، من يبقى من هيثم؟
-- يبقى الإنسان يحاول أن يفهم نفسه دون أن يفقد عفويته. وربما هذا الإنسان هو الأصل، وكل ما عداه محاولات للتعبير عنه.
يعيش الإنسان أحيانًا خلف أقنعة يخفي بها عن نفسه قبل الآخرين مخاوفه وضعفه وحقائقه التي يصعب عليه مواجهتها.
لكن ماذا لو أُجبر يومًا على رؤية ذاته كما هي، بلا أقنعة ولا أعذار؟ فمواجهة النفس قد تكون أقسى من مواجهة العالم، ومن هنا يطرح عليك
- لو وُضعت أمامك مرآة تعكس كل ما تخفيه عن نفسك، هل ستكون مستعدًا للنظر؟
-- «سأنظر، رغم خوفي. لأنني أعتقد أن الإنسان لا يؤذيه ما يعرفه عن نفسه بقدر ما يؤذيه ما يضطر إلى الهروب منه.
في نهاية هذا الحوار، لم أشعر أنني أمام كاتب يحاول أن يقدم نفسه للقارئ بقدر ما شعرت أنني أمام إنسان يترك الباب مفتوحًا بينه وبين أسئلته.
وربما أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب ليس أن يخبرنا من يكون، بل أن يجعلنا نسأل نحن: من نكون حين لا يرانا أحد؟
هيثم لا يقدم الألم بوصفه نهاية، ولا الوعي بوصفه انتصارًا مكتملًا، ولا الكتابة بوصفها خلاصًا نهائيًا.
إنه يرى الإنسان في حالته الأكثر صدقًا: كائنًا يتغير، ويخاف، ويخطئ، ويحب، ويبحث عن نفسه بين ما يريده وما اعتاد أن يكونه.
ولهذا ربما كانت الكتابة عنده ليست إجابة عن الحياة، وإنما طريقة أكثر شجاعة لطرح أسئلتها.
ويبقى السؤال الذي أظن أنه لا يخص الكاتب هيثم وحده:
كم من الأشياء في حياتنا نتمسك بها لأننا نريدها حقًا، وكم منها نتمسك بها لأننا نخشى أن نكتشف من نكون بدونها؟
في نهاية هذا الحوار العميق والجميل، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان للكاتب والمبدع والمحاضر في علم النفس هيثم غيظان.
شكرًا لك على هذه المساحة الراقية من الأدب، وعلى هذا الحوار الذي لم يكن مجرد أسئلة وأجوبة، بل كان رحلةً عميقة إلى الداخل، وحوارًا صادقًا مع الذات.
شكرًا لعمقك، ولثراء فكرك، وللجمال الذي تصنعه الكلمات حين تخرج من تجربة ووعي وإنسانية.
سعدت جدًا بهذا اللقاء، وأعتز بهذه المساحة التي جمعتنا، وأتمنى أن تبقى كلماتك حاضرةً في وجدان كل من قرأ أو أستمع إلى هذا الحوار.