19 ابريل 2026

في وقت تترقب فيه الأوساط الدولية انفراجة دبلوماسية عقب الأنباء التي ساقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اتفاق وشيك لوقف إطلاق النار، كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم الأحد عن فاتورة باهظة يدفعها جنوده على الجبهة الشمالية، حيث أقر بسقوط مئات الجرحى في صفوفه منذ انطلاق العملية البرية في لبنان، بالتزامن مع كشف تقارير استخباراتية وعسكرية عن نوايا خبيثة للاحتلال تهدف إلى قضم الأراضي اللبنانية وفرض مناطق عازلة تمنع عودة السكان إلى ديارهم، في تكرار سينمائي مأساوي لما يحدث في قطاع غزة.
وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، في بيان رسمي اليوم، أن حصيلة المصابين في صفوف جنوده منذ بداية العملية العسكرية في لبنان قد بلغت 690 جنديًا، وهي الأرقام التي تعكس حجم الاستنزاف الذي يتعرض له جيش الاحتلال أمام ضربات المقاومة اللبنانية، لافتًا إلى أن الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط شهدت سقوط 37 جنديًا مصابًا، وهو ما يشير إلى تصاعد ضراوة المواجهات الميدانية رغم الحديث الدبلوماسي عن التهدئة، حيث تؤكد هذه الأرقام أن الميدان لا يزال يشتعل تحت أقدام جنود الاحتلال الذين يواجهون مقاومة شرسة في القرى الحدودية.
تأتي هذه الحصيلة الدامية في توقيت حساس للغاية، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس الماضي، عن التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية يقضي بوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام كفترة اختبار، وهو الإعلان الذي أنعش آمال الشارع اللبناني في قرب نهاية العدوان، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن الاحتلال يخطط لما هو أبعد من مجرد وقف إطلاق النار، حيث يسعى لتحويل المناطق التي توغل فيها إلى مناطق عسكرية مغلقة تحت مسمى "الخط الأصفر"، وهو التكتيك الذي استنسخه الاحتلال من تجربته في قطاع غزة لتقسيم الأرض وعزل السكان.
ونقلت شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية عن مسؤولين كبار في جيش الاحتلال نيتهم فرض هذا "الخط الأصفر" في الجنوب اللبناني، وهو ما يعني عمليًا منع آلاف النازحين من العودة إلى مناطقهم الأصلية التي يحتلها الجيش حاليًا، وأوضح المسؤولون الإسرائيليون في إحاطة صحفية أن هذا الخط يمثل منطقة جغرافية يحتلها الجيش كجزء من ترتيبات وقف إطلاق النار، بحيث تظل منطقة "محرمة" لا يمكن للسكان الوصول إليها، تمامًا كما حدث في غزة حين تم تقسيم القطاع وفصل أحيائه عن بعضها البعض لضمان السيطرة العسكرية الكاملة.
وأكد قادة جيش الاحتلال أن نموذج "الخط الأصفر" قد تم تحديده بالفعل على الخرائط الميدانية، وأن القوات الإسرائيلية تعمل حاليًا ضمن نطاقه، مشيرين بوضوح إلى أنه لن يُسمح لسكان 55 قرية لبنانية تقع ضمن هذه المنطقة بالعودة إلى منازلهم حتى في ظل سريان هدنة الـ 10 أيام، والأدهى من ذلك، أن المسؤولين الإسرائيليين صرحوا بأن جيش الاحتلال منح نفسه "تفويضًا" لمواصلة تدمير ما أسموه "البنى التحتية" في تلك القرى حتى أثناء وقف إطلاق النار، مما يعني استمرار عمليات النسف والتفجير للمربعات السكنية والمرافق العامة تحت ذريعة أمنية واهية.
هذه التحركات العسكرية والسياسية الإسرائيلية تعززها تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قطع الطريق على أي تفاؤل بعودة سريعة للنازحين، مؤكدًا أن الجيش سيواصل السيطرة المطلقة على جميع المواقع التي قام بـ "تطهيرها" والاستيلاء عليها، وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في تحويل التوغل المؤقت إلى احتلال طويل الأمد يغير ديموغرافيا المنطقة الحدودية، ويخلق واقعًا جغرافيًا جديدًا يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات نهائية، مما يضع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمواجهة "سياسة القضم" الإسرائيلية التي تستهدف السيادة اللبنانية بشكل مباشر.
ومع استمرار نزيف الجرحى في صفوف الاحتلال، يبدو أن القيادة الإسرائيلية تحاول الهروب من الفشل الميداني عبر تكريس سياسة "الأرض المحروقة" ومنع المدنيين من العودة، في محاولة لفرض نصر معنوي عبر السيطرة الجغرافية، بينما تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة اتفاق ترامب على الصمود في ظل هذه الشروط الإسرائيلية التعجيزية والانتهاكات الصارخة التي يخطط لها جيش الاحتلال تحت ستار "الخط الأصفر"، والتي تنذر بانفجار الأوضاع مجددًا في أي لحظة.