30 سبتمتبر 2026

أنهت القوات التابعة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة مهمتها العسكرية في العراق رسمياً، وذلك بعد أكثر من عقد على بدء انتشارها لمواجهة تنظيم داعش، في خطوة أعادت ملف السيادة العراقية إلى الواجهة وفتحت مرحلة جديدة من العلاقات الأمنية الثنائية بين بغداد والدول المشاركة، بالتزامن مع نقاش داخلي متواصل حول مستقبل الفصائل المسلحة ودور السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وأعلنت السلطات العراقية أن غادرت آخر عناصر التحالف البلاد، اليوم الأربعاء، إثر انسحاب تدريجي من القواعد العسكرية واقتصار الوجود في المرحلة الأخيرة على إقليم كردستان شمالي البلاد، وذلك تفعيلاً للاتفاق المشترك الذي جرى بين بغداد وواشنطن في عام 2024 لإنهاء مهمة التحالف والانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية، لا سيما بعد هزيمة داعش عسكرياً داخل العراق عام 2017، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية ووكالة الأنباء العراقية.
بدأ التحالف الدولي عملياته في العراق وسوريا عام 2014 عقب سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة وتنفيذه لانتهاكات واسعة النطاق، حيث خاضت القوات العراقية وقوات التحالف وفصائل مسلحة معارك مشتركة لدحر التنظيم، قبل أن يتحول الوجود الأجنبي لاحقاً إلى مادة خلاف سياسي وأمني.
وفي السياق ذاته، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية، اللواء يحيى رسول، عدم وجود أي عنصر عسكري تابع للتحالف الدولي داخل الأراضي العراقية بعد 30 سبتمبر، مؤكداً أن هذا الانسحاب جاء ثمرة جهود عراقية كبرى وأن المؤسسات الأمنية والاستخبارية باتت أكثر جاهزية لتأمين الحدود ومواجهة أي تهديدات محتملة بمعدات وأنظمة متطورة.
ومن جانبها، أكدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) رسمياً انسحاب قوات التحالف من قاعدة أربيل الجوية وإكمال عملية مغادرة العراق، مُعلنة ختام عملية "العزم الصلب"، وموضحة في بيان لها أن الوزارة ستواصل تقديم تدريب موجّه ودعم استخباراتي للشركاء العراقيين الذين سيقودون بأنفسهم جهود تأمين البلاد وإبقاء فلول داعش تحت السيطرة.
تكريساً لهذا التحول التاريخي، أكد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، أن الأول من أكتوبر سيُعتمد مناسبة وطنية رسمية تحت اسم "يوم السيادة"، لإبراز انتقال العراق إلى مرحلة تؤكد فيها الدولة سيطرتها الكاملة على القرار الأمني والعسكري. بالتزامن مع ذلك، شددت الرئاسات الثلاث على ضرورة أن يترافق رحيل القوات الأجنبية مع معالجة ملف السلاح المنفلت خارج سلطة الدولة وفق الجداول الزمنية الحكومية.
وأوضح المستشار الأمني لرئيس الوزراء، قاسم الأعرجي، أن إنهاء مهمة التحالف هو تتويج لمفاوضات وتفاهمات امتدت منذ يوليو 2021، مشدداً على أن العراق ينتقل إلى علاقات ثنائية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع استمرار التنسيق الاستخباري وبناء القدرات دون الحاجة لوجود قوات قتالية أجنبية على الأرض.
واجهت الحكومة العراقية عقب إعلان الانسحاب تحدياً معقداً يتمثل في تعاملها مع الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، حيث ترى بغداد أن زوال الذريعة الأجنبية يحتم حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة حصراً. وفي المقابل، طالبت فصائل مسلحة بإنهاء أي تدخل سياسي واقتصادي أمريكي كامل، بينما وجهت "كتائب حزب الله" تحذيرات لحكومة الزيدي رافضة أي تهاون، رغم ترحيبها بالخطوة كإنجاز سيادي، مما يعكس استمرار الخلافات حول طبيعة النفوذ الأمني والسياسي لهذه الجماعات.
وعلى الصعيد الميداني، أثبتت القوات العراقية جاهزيتها لتحمل المسؤولية الكاملة، إذ يؤكد الجيش أن سلاح الجو ينفذ عملياته باقتدار، مع تخصيص قاعدة فكتوريا لتأمين سماء البلاد. ومع إبداء بعض سكان أربيل مخاوف مؤقتة بشأن الفراغ المحتمل لمنظومات الاعتراض الجوي السابقة، تصر الحكومة على أن الأجهزة الوطنية قادرة تماماً على حماية الأمن القومي، مع طي صفحة الحرب المفتوحة وبدء حقبة جديدة من ترسيخ سيادة الدولة وضبط قرارها العسكري.