16 مارس 2026

في يوم هو الأكثر دموية منذ أسابيع، استيقظ الشارع الفلسطيني على وقع مجازر إسرائيلية متزامنة ضربت قطاع غزة والضفة الغربية، مخلفةً 16 شهيدًا وعشرات الجرحى، في وقت تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية توسيع نطاق عملياتها لتشمل جبهات لبنان وإيران. المشهد داخل الأراضي المحتلة بدا مأساويًا بامتياز؛ حيث لم تفرق النيران بين مسؤول أمني أو طفل رضيع، لتتحول الطرقات والمخيمات إلى ساحات مفتوحة للاستهداف المباشر وسط صمت دولي مريب.
البداية كانت من وسط قطاع غزة، حيث شنت الطائرات الحربية غارة غادرة استهدفت سيارة مدنية قرب مدخل بلدة الزوايدة. وأكدت مصادر طبية وشهود عيان أن الهجوم أسفر عن استشهاد مسؤول كبير في الشرطة الفلسطينية برفقة ثمانية من أفراد القوة الأمنية، فيما تحولت المنطقة المحيطة بالانفجار إلى بركة من الدماء، مما أدى لإصابة 14 مواطنًا من المارة الذين صودف وجودهم في المكان. ولم تكن هذه الجريمة الوحيدة في القطاع، إذ سبقتها غارة أخرى على مخيم النصيرات، أبادت أسرة كاملة مكونة من زوج وزوجته "الحبلى" وطفلهما الصغير، في مشهد يجسد استهداف الوجود الفلسطيني في مهده.
الجيش الإسرائيلي، من جانبه، حاول تبرير هذه المجازر بادعاءات روتينية، زاعمًا أن الهجمات جاءت ردًا على إطلاق نار استهدف قواته، دون أن يحدد بدقة أيًا من العمليتين كان يقصد، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة للتغطية على استهداف المدنيين والكوادر الشرطية التي تعمل على ضبط الأمن الداخلي في القطاع المنهك من سنوات الحرب.
ولم يكن حال الضفة الغربية بأفضل من غزة، فقد شهدت بلدة طمون فاجعة هزت الوجدان، بعدما أعدمت القوات الإسرائيلية بدم بارد عائلة فلسطينية مكونة من أربعة أفراد (الأب والأم وطفلان) داخل سيارتهم. الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن "تهديد مباشر" دحضها الطفل الناجي خالد (12 عامًا)، الذي روى من فوق سريره بالمستشفى لحظات الرعب الأخيرة، واصفًا كيف انهمر الرصاص على رؤوس والديه وإخوته، وكيف أن الجنود أخرجوه من السيارة لينهالوا عليه بالضرب ناعتين عائلته بـ"الكلاب"، في إمعان واضح في الإذلال والقتل العمد.
هذا التصعيد الميداني يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يربط المحللون بين تكثيف الهجمات في الداخل الفلسطيني وبين اشتعال الجبهات الإقليمية مع إيران ولبنان. ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، إلا أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى استشهاد ما لا يقل عن 670 فلسطينيًا منذ ذلك الحين، مما يؤكد أن الهدنة ليست سوى حبر على ورق أمام غطرسة القوة. وفي الضفة، يتبادل الجيش والمستوطنون الأدوار؛ فبينما يغلق الجيش الطرق، يشن المستوطنون هجمات ليلية تحت غطاء الحرب الإقليمية، مما أدى لاستشهاد 5 فلسطينيين منذ فبراير الماضي فقط، وسط تقارير حقوقية تؤكد منع سيارات الإسعاف من الوصول للضحايا، مما يترك الجرحى ينزفون حتى الموت في أزقة المدن والقرى المحتلة.