14 ابريل 2026

في خطوة وصفتها الدوائر الدبلوماسية بأنها "تاريخية ومعقدة"، تستضيف العاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الثلاثاء، اجتماعًا رفيع المستوى هو الأول من نوعه منذ عقود، حيث يجمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بكل من السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة، في محاولة لإطلاق ماراثون من المفاوضات المباشرة الرامية لوقف نزيف الدماء في الأراضي اللبنانية ووضع حد للمجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
تأتي هذه التحركات المكثفة تحت مظلة ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإجباره على سلوك المسار الدبلوماسي كبديل للتصعيد العسكري الشامل، ورغم الإشارات الأولية التي أبداها نتنياهو بالموافقة على تقليص الغارات الجوية العنيفة التي استهدفت قلب العاصمة بيروت خلال الأيام الماضية، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى استمرار العمليات البرية، مما يضع مصداقية المبادرة الأمريكية على المحك أمام الرأي العام الدولي.
وبحسب ما أورده موقع "أكسيوس" الإخباري، فإن هذا الاجتماع يمثل المنعطف الأهم في مسار العلاقات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة منذ عام 1993، حيث تسعى واشنطن لصياغة واقع جديد يفصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله، إذ تزعم مصادر بالخارجية الأمريكية أن النزاع الراهن هو حرب موجهة ضد التنظيم المسلح وليس ضد مؤسسات الدولة اللبنانية، وهو ما يفتح الباب أمام حوار دبلوماسي مباشر وشامل بوساطة أمريكية، يهدف في جوهره إلى نزع سلاح حزب الله على المدى الطويل وتثبيت أركان "الأمن المستدام" على الحدود الشمالية لإسرائيل، مع تمكين الحكومة اللبنانية من استعادة سيادتها الكاملة وقرارها السياسي بعيدًا عن التأثيرات الإقليمية.
وعلى الجانب اللبناني، تبدو الصورة أكثر تفاؤلًا بشأن "استقلالية القرار"، حيث أكد مسؤول لبناني رفيع المستوى أن فشل جولات المحادثات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد مؤخرًا لن يلقي بظلاله على مفاوضات واشنطن، مشددًا على نجاح الرئاسة اللبنانية في فصل المسارات ومنع تشابك مصير لبنان بالملف النووي أو الإقليمي الإيراني، ومع ذلك يظل الشرط اللبناني بضرورة "وقف إطلاق النار الشامل" قبل الانخراط في أي تفاصيل تقنية هو حجر الزاوية في مباحثات اليوم، وهو ما ينتظر اللبنانيون سماع رد إسرائيلي واضح عليه بلسان السفير ليتر.
ميدانيًا، لا يبدو أن جيش الاحتلال ينوي تقديم هدايا مجانية على طاولة التفاوض، إذ نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مصادر مطلعة أن القوات الإسرائيلية تمارس ضغوطًا عسكرية "شرسة" لاحتلال منطقة بنت جبيل، التي يصفها الاحتلال بأنها المعقل الرمزي لحزب الله، بهدف إحكام السيطرة على جنوب الليطاني وفرض واقع "القوة والنار" قبل التوقيع على أي اتفاقات، وهو ما يفسر موجة الغارات الدموية غير المسبوقة التي حصدت أرواح أكثر من 1888 شهيدًا وأصابت نحو 6092 آخرين منذ اندلاع المواجهات، في حصيلة تعكس وحشية الآلة العسكرية التي لم تفرق بين مدني وعسكري.
وفي المقابل، تشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن الجبهة الشمالية شهدت ما يقرب من 1310 موجة هجومية من قبل حزب الله منذ مطلع مارس الماضي، بمعدل 30 هجومًا يوميًا، أسفرت عن مقتل 12 جنديًا و3 مدنيين، وهو ما يضع حكومة نتنياهو تحت ضغط داخلي هائل من سكان الشمال النازحين، مما يجعل من اجتماع واشنطن اليوم إما بوابة لتهدئة كبرى أو شرارة لجولة أشد ضراوة من القتال.