20 يوليو 2026

تعيش إيران واحدة من أخطر وأعقد محطات تاريخها الحديث، وسط مؤشرات متسارعة ودلائل دامغة تؤكد أن النظام السياسي الحاكم بات يقف على حافة الهاوية، محاصراً بأزمات وجودية تكالبت عليه من الداخل والخارج بفعل سياساته المزمنة والمواجهة العسكرية الحالية التي جاءت لتلعب دور المعجل الأكبر والضربة القاضية التي توجت هذا الانهيار البنيوي. لم يعد الحديث عن انهيار النظام الإيراني مجرد تكهنات سياسية أو قراءات تشاؤمية، بل تحول إلى واقع ملموس تترجمه أرقام الخسائر الفادحة ومظاهر التصدع العميق في بنية الدولة التي فقدت السيطرة على مفاصل الحياة الأساسية، وباتت عاجزة عن تقديم أبسط مقومات العيش الكريم لمواطنيها الذين وصلوا إلى قناعة تامة بأن الإصلاح من داخل المنظومة الحالية أصبح مستحيلاً.
على الصعيد الداخلي، تفجر الغضب الشعبي بشكل غير مسبوق وتحولت الشوارع الإيرانية في محطات متكررة إلى ساحات غليان وثورة مستمرة ضد الاستبداد والقهر، حيث لم يعد السخط محصوراً في طبقة أو فئة معينة بل شمل كافة شرائح المجتمع ممن اكتووا بنيران الغلاء الفاحش والانهيار التاريخي لقيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية؛ إذ تجاوز سعر صرف الدولار الواحد عتبة الملايين من الريالات، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لأكثر من 60% من العائلات الإيرانية. إن حجم الخسائر البشرية التي دفعها الشعب الإيراني دفاعاً عن حريته وكرامته يسجل بأحرف من دم؛ فقد خلفت الاحتجاجات المتعاقبة ومن بعدها تداعيات الحرب العسكرية المباشرة آلاف القتلى والجرحى، فضلاً عن اعتقال واحتجاز أكثر من 30 ألف مواطن وناطح في سجون النظام، وتعريض حياة ملايين المدنيين للخطر من أجل مغامرات إقليمية عبثية، ورغم آلة القمع الوحشية والقبضة الأمنية الحديدية فإن جدار الخوف قد تهشم تماماً وباتت الاحتجاجات تتخذ طابعاً تنظيمياً أكثر وعياً وشمولية مستهدفة الرموز السياسية والدينية للنظام بشكل مباشر، مما يعكس قطيعة تامة وانعداماً كلياً لأي ثقة بين الشارع ورأس الهرم الحاكم.
أما على المستوى المادي والاقتصادي، فقد دخلت إيران في نفق مظلم ومغلق أسفر عن خسائر فادحة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات جراء عقوبات دولية قاسية وسوء إدارة مزمن وفساد مستشري، وجاءت الضربات العسكرية الواسعة لتستهدف مفاصل الطاقة والمنشآت الحيوية وشبكات النقل في أكثر من 15 محافظة رئيسية مدمّرة البنية التحتية ومسببة توقف أكثر من 70% من خطوط الإنتاج والصناعات الثقيلة وشللاً شبه تام في الاقتصاد الذي تجاوزت فيه معدلات التضخم الرسمية وغير الرسمية نسباً جنونية فاقت 50%. وتكبدت الخزينة العامة خسائر مدمرة بسبب تراجع عائدات النفط والغاز بنسب تجاوزت 80%، وانقطاعات الكهرباء والمياه المتكررة التي ضربت أكثر من 200 مدينة، فضلاً عن النزيف المالي الهائل الذي تنفقه المؤسسة الحاكمة على تمويل الميليشيات الطائفية والأذرع الإقليمية في المنطقة بنسب استحوذت على ميزانيات ضخمة من قوت الشعب الأساسي.
وعلى الصعيد السياسي والدولي، يعيش النظام الإيراني عزلة غير مسبوقة وفقداناً كاملاً للشرعية والمصداقية؛ فقد تآكلت الثقة الدولية بشكل جذري في ظل تورط طهران في زعزعة الاستقرار وتغذية الصراعات والتمادي في الملف النووي وسط تقارير دولية تؤكد انتهاك طهران لـ 5 اتفاقيات رئيسية للحد من التسلح، بينما كشفت الحرب الحالية العجز الاستراتيجي التام للمؤسسة الحاكمة وعريها العسكري والسياسي وفشلها في حماية أجوائها ومنشاتها الحيوية التي تعرضت لعشرات الغارات المدمرة. وتتمثل دلائل هذا الانهيار السياسي في حالة التخبط والتناقض الواضحين في تصريحات أكثر من 10 شخصيات قيادية بارزة وعجزهم التام عن تقديم حلول حقيقية والصراعات المحتدمة داخل أجنحة السلطة على خلفية صراع الخلافة، فضلاً عن العزوف الشعبي الشامل والمقاطعة الواسعة للانتخابات الصورية التي شهدت أدنى نسبة مشاركة تاريخية بأقل من 20% في العديد من الدوائر الكبرى، وهو ما ينبئ بأن التغيير الجذري والقادم لا محالة في إيران لم يعد مجرد احتمال، بل هو مسار حتمي تفرضه حتمية التاريخ وعدالة المطالب الشعبية في الانعتاق.