بحث


جرجس ابراهيم يكتب: وارثُ الرسالة

15 يوليو 2026

جرجس ابراهيم يكتب: وارثُ الرسالة

ليس من اليسير أن يكتب المرء عن أبٍ أحبَّه، وتعلَّم منه، ونهل من معين حكمته.

فالكلمات، مهما بلغت من البلاغة، تقف أحيانًا عاجزة أمام مشاعر الامتنان، ويغدو الصمت أبلغ من البيان.

ولعل هذا ما يجعلني أُحجم طويلًا عن الكتابة عن نيافة الأنبا يوانس، مطران أسيوط، لا لأن القلم يعجز، بل لأن الرجل بطبيعته يأنف من المدح، ويؤثر أن تتحدث أعماله عنه قبل أن تتحدث الأقلام.

وأعترف منذ البداية بأن شهادتي فيه شهادة محبٍّ، أكرمه الله بمحبةٍ أبويةٍ صادقة، وبقربٍ أتاح له أن يتعلّم، ويستمع، ويستفيد.

ولذلك فإن ما أكتبه اليوم ليس إلا شهادة ضمير، أسأل الله أن أكون فيها منصفًا.

وأستعيد ذكرى تعود إلى سنوات بعيدة، حين كنت محررًا للشؤون الكنسية بجريدة «الدستور»، آنذاك كتبت عن رحيل نيافة الأنبا ميخائيل، ذلك الأب الذي ترك أثرًا بالغًا في وجدان أبناء أسيوط.

وكان السؤال الذي يفرض نفسه يومها: من يستطيع أن يحمل هذه الأمانة الثقيلة؟ ومن يملأ ذلك الفراغ الكبير؟.

كانت الإجابة في تقديري مع مرور الأيام هي الأنبا يوانس؛ لا لأنه جاء ليكرر تجربة سلفه، فلكل راعٍ بصمته، وإنما لأنه حمل الرسالة بالروح ذاتها، بروح الأبوة والخدمة والصلاة، فاستطاع أن يواصل المسيرة، ويحفظ الوديعة، ويضيف إليها من شخصيته وما وهبه الله له من مواهب.

ولعل بدايات هذه المسيرة تعود إلى دير الأنبا بولا، حيث تشرّب الحياة الرهبانية، ونهل من روح الزهد والنسك والطاعة.

ثم جاءت خدمته إلى جوار قداسة البابا شنودة الثالث، الذي عُرف بحسن اختياره للأبناء، وإيمانه بأن مستقبل الكنيسة يُبنى بإعداد خدامها.
وهنا اكتسب الأنبا يوانس خبرات رعوية وإدارية وروحية، تركت بصمتها الواضحة في شخصيته وخدمته.

ومن أكثر الصفات التي لمستها فيه، إيمانه العميق بأن الصلاة هي بداية كل طريق ونهاية كل طريق.

وأذكر حديثًا دار بيننا، قال فيه إنه كلما استعصى عليه أمر، أو أثقلته مسؤولية، دخل إلى قلايته ليقف أمام الله أولًا، لأن ما تعجز عنه التدابير البشرية، تفتحه نعمة الله.

ولم تكن صلاته مجرد ممارسة، بل أسلوب حياة، ولذلك ظل حريصًا على إحياء روح التسبيح في القلوب، حتى أصبحت الكنيسة، على يديه، مدرسةً للصلاة قبل أن تكون مكانًا للخدمة، ومحرابًا للرجاء قبل أن تكون مقصدًا للناس.

كما وجدت عنده قلبًا معطاءً، يرى في الخدمة رسالة محبة قبل أن تكون واجبًا.

ولمست ذلك في مواقف كثيرة، وفي اهتمامه بأبناء الإيبارشية وزائريها، وفي حرصه على أن تصل الخدمة إلى الجميع بروح الأبوة والاحتواء.

ويشهد على ذلك ما يقدمه في احتفالات دير السيدة العذراء بدرنكة، من حرص على أن تتوافر الخدمات الأساسية بأسعار رمزية، ليشعر كل زائر أن الكنيسة بيت للجميع، لا تميّز بين إنسان وآخر، بل تحتضن الجميع بمحبة المسيح.

ورغم ثقل المسؤوليات الرعوية والإدارية، ما زلت أراه يحتفظ بروح الراهب البسيطة، التي تجد راحتها في الصلاة والتسبيح أكثر مما تجدها في الأضواء والمناصب.

وكثيرًا ما أشفق عليه من هذا الجهد المتواصل، بين مذبحٍ يخدم عنده، وإيبارشيةٍ يرعاها، ونفوسٍ يحملها في قلبه، غير أنني أستريح إلى يقينٍ راسخ، أن القلب الذي استقر في يد الله، لا تُثقله الأعباء، بل تمنحه النعمة قوةً فوق قوة.

ومن منطلق المحبة الخالصة، والحرص على مستقبل الكنيسة، يراودني رجاء صادق أن تستثمر الكنيسة هذا الكنز الروحي والراعوي الكبير، بأن يُعهد إلى نيافة الأنبا يوانس بإعداد جيل جديد من الأساقفة العموم، من الرهبان الشباب، يتتلمذون على يديه، ويتشربون منهج الأبوة الذي تسلَّمه عن مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث.

فيتعلمون منه أن الصلاة تسبق القرار، وأن الأبوة تسبق الإدارة، وأن الراعي الحقيقي يقود بالمحبة قبل السلطة، وبالقدوة قبل الكلمة.

فالكنيسة عبر تاريخها لم تحفظ رسالتها بالمناصب، بل بتسليم الخبرة، وتوريث الروح، وإعداد الآباء الذين يحملون الوديعة من جيل إلى جيل، لتبقى الخدمة ممتدة، والرسالة متجددة، والكنيسة غنية بآبائها في كل زمان ومكان.

وفي الختام، لا أزعم أنني أوفيت الرجل حقه، فبعض القامات لا تتسع لها المقالات، وبعض الآباء تبقى سيرتهم أبلغ من كل وصف.
وما كتبته ليس إلا كلمات تلميذٍ يفتخر بأبيه، ويشكر الله أنه عاش في زمنٍ تعلَّم فيه من رجلٍ آمن بأن الصلاة هي القوة، وأن المحبة هي الطريق، وأن الاتضاع هو المجد الحقيقي.

فحفظ الله نيافة الأنبا يوانس، وأدام عليه نعمته، وأطال عمره، لتظل سيرته نبراسًا لكل من يطلب أن يكون راعيًا على قلب المسيح.


جرجس ابراهيم يكتب: وارثُ الرسالة نيافة الأنبا يوانس، مطران أسيوط الحياة الرهبانية الكنيسة الإيبارشية
شاهد أيضًا
الدكتور أحمد صفوت السنباطي يكتب: الأمن الإدراكي ساحة معركة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي

الدكتور أحمد صفوت السنباطي يكتب: الأمن الإدراكي ساحة معركة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي

09 اكتوبر 2026
أزهار عبد الكريم تكتب: اتفاق مكة من صراع اليمن إلى معادلة أمن البحر الأحمر

أزهار عبد الكريم تكتب: اتفاق مكة من صراع اليمن إلى معادلة أمن البحر الأحمر

08 اكتوبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: ظاهرة «الزومبي» .. الوجه المرعب للمخدرات التخليقية وأسباب الانتشار وطرق المواجهة

يحيى الشربيني يكتب: ظاهرة «الزومبي» .. الوجه المرعب للمخدرات التخليقية وأسباب الانتشار وطرق المواجهة

07 اكتوبر 2026
إبراهيم عمران يكتب: العلمين.. السيسي يعيد إفريقيا إلى قلب الحسابات المصرية

إبراهيم عمران يكتب: العلمين.. السيسي يعيد إفريقيا إلى قلب الحسابات المصرية

05 اكتوبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: انتهى زمن التحالف.. أمريكا ترحل عن العراق، فمن يملأ الفراغ؟!

يحيى الشربيني يكتب: انتهى زمن التحالف.. أمريكا ترحل عن العراق، فمن يملأ الفراغ؟!

30 سبتمتبر 2026
أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

25 سبتمتبر 2026
أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

17 سبتمتبر 2026
الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

17 سبتمتبر 2026
رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

11 سبتمتبر 2026
صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

09 سبتمتبر 2026
مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

07 سبتمتبر 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

02 سبتمتبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

26 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار”  آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار” آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

10 أغسطس 2026
هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

09 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

09 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

06 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

04 أغسطس 2026
التعليقات