26 يوليو 2026

يبدو أننا، ومنذ عقود، قد سقطنا في فخ إدمانٍ من نوع خاص؛ إدمانٌ غير مرئي لكنه يسري في عروق مجتمعاتنا ومؤسساتنا، ويتحكم في تفاصيل حياتنا اليومية. إنه إدمان "النظرية الشبهية".
وهي نظرية بسيطة في تعريفها، مخيفة في ارتداداتها، وتتلخص في: أن كل ما نمارسه في حياتنا من عمل، أو ترفيه، أو ثقافة، أو رياضة، ليس سوى "نسخة كربونية مشوهة" لما يفعله العالم المتقدم، نتحرك فيها وفق قوانين وضِعت هناك، ونكتفي نحن هنا بمحاكاتها وقشرتها الخارجية فقط.
عالمٌ من المظاهر والسيناريوهات المكررة
خذ على سبيل المثال ساحة كرة القدم؛ نحن نفعل كل ما يفعله الغرب تماماً. لدينا اتحاد للعبة، ولجان تدير، وملاعب شاسعة، ومباراة تجمع أحد عشر لاعباً ضد أحد عشر آخرين، وحكام بصفارات وبطاقات ملونة، وجماهير تملأ المدرجات. المظهر مكتمل تماماً، ولكن الحصيلة في النهاية ليست كرة قدم حقيقية بمفهومها الاحترافي وصناعتها الاستثمارية، بل هي مجرد "شيء يشبه كرة القدم"!
وقس على ذلك الفن والسينما؛ لدينا أحدث الكاميرات، وممثلون ومخرجون وكُتّاب، ومهرجانات وسجاد أحمر، ولكن ما يُنتج في المحصلة النهائية – إلا ما رحم ربي – يظل شبهاً للسينما الحقيقية التي تصنع الوعي والترند العالمي، وليس السينما نفسها.
هذه "المحاكاة الجوفاء" تتسلل كالنمل الأبيض إلى جسد كافة المهن والقطاعات. لو أمعنت النظر في منظوماتنا التعليمية والصحية والمهنية؛ من أساتذة الجامعات والعلماء، إلى الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين، وصولاً إلى الحرفيين والعمال، ستجد أن "النظرية الشبهية" تُطبق بحذافيرها. العالم المتقدم يصنع الفعل الأصلي، ونحن ننشغل بصناعة الشبه.
"إن المشكلة لا تكمن في قلة الأنظمة والقوانين، بل في أننا حولنا النظام نفسه إلى (شبه نظام) يفقد قيمته وجدواه عند أول اختبار."
عبقرية الفرد وعقم المنظومة
والسؤال الملحّ هنا: هل العيب في جيناتنا أو عقولنا؟ الإجابة القاطعة هي: لا.
لسنا بحاجة لإعادة اختراع العجلة، ولسنا عاجزين عن الفهم. بل إنني أكاد أجزم أن معظم الأنظمة الحديثة التي تقود مجالات الإدارة والتكنولوجيا والعلوم في العالم اليوم، إما أن الذي اخترعها مصري، أو شارك في بنائها وتطبيقها عقل مصري هاجر فاستقر في بيئة تقدر النظام.
إذن، أين تكمن المعضلة؟
مشكلتنا الأساسية والعميقة هي أننا جلبنا النظام من الخارج، لكننا الحقنا به "ثقافة الاستثناء". فالنظام في عالمنا العربي والمصري لا يولد مستقلاً حاسماً، بل يولد مشلولاً باستثناءاته.
والأدهى من ذلك، أننا نضع سلطة تنفيذ هذا النظام في أيدي قيادات غير مؤهلة أو غير مؤمنة به، فيتحول الاستثناء تدريجياً – بقوة النفوذ والمحسوبية – إلى هو القاعدة الحاكمة، وينزوي النظام الأصلي ليصبح مجرد "شبه نظام" يُطبق فقط على من لا ظهر له.
ترياق الشفاء: نظام بلا استثناء
دعونا نواجه أنفسنا بالحقيقة: لن يكون لنا موطئ قدم على قمة هذا العالم، ولا حتى بالقرب منها، ما دمنا نعيش في دور "المشاهد المقلد" الذي يكتفي بإنتاج الأشباه. الأمل والمستقبل لا يصنعهما الهروب إلى الأمام بإنشاء مبانٍ وهيئات جديدة تحمل أسماءً رنانة، بل يصنعهما "تفكيك النظرية الشبهية" من جذورها.
إن حلمي – وحلم كل غيور على مستقبل هذا الوطن – هو أن نرى نظاماً صارماً، حياً، وقابلاً للتطبيق على الجميع دون تمييز، أو ترتيب مسبق، أو استثناءات تمرر تحت الطاولة. نظاماً يقف أمامه الوزير والغفير على حد سواء، وتكون المساءلة فيه سيفاً مسلطاً على قاطع الطريق وعلى جالس المقعد الوثير.
عندما ينتهي زمن "الاستثناء"، ستموت "النظرية الشبهية" تلقائياً، وحينها فقط، سنلعب كرة قدم حقيقية، وسنصنع سينما حقيقية، وسندير مؤسسات حقيقية، وننتقل من مقاعد المتفرجين والمحاكين.. إلى منصات الصانعين والمبدعين.