26 أغسطس 2026

في لحظة فارقة من تاريخ القارة السمراء، ومع تراجع الهيمنة الكلاسيكية للقوى الاستعمارية التقليدية، شمرت أنقرة عن ساعد استراتيجيتها بعيدة المدى لتملأ الفراغ الجيوسياسي عبر أدوات متنوعة امتدت من المساعدات الإنسانية والتمدد الاقتصادي، وصولاً إلى بناء المعاقل العسكرية وتصدير السلاح، لتصنع لنفسها موطئ قدم راسخاً يربط الأناضول بأدغال إفريقيا.
بدأت ملامح هذا التوجه الأناضولي تتشكل بوضوح منذ عام ألفين وخمسة، حين أعلنت أنقرة ذلك العام بوصفه "عام إفريقيا" مطلقة سياسة الانفتاح على القارة، لتتوج تلك الخطوة بحصولها على صفة عضو مراقب بالاتحاد الإفريقي، ثم ترقيتها إلى مرتبة "شريك استراتيجي" في قمة إسطنبول ألفين وثمانية، مفسحة المجال لعهد جديد من العلاقات القائمة على التحالف والمصالح المشتركة.
وتعكس الأرقام حجم التمدد التركي السريع؛ حيث ارتفع عدد السفارات التركية في إفريقيا من اثنتي عشرة سفارة عام ألفين واثنين إلى أربع وأربعين سفارة عام ألفين وأربعة وعشرين تغطي مختلف أنحاء القارة. وعلى الصعيد الاقتصادي، قفز حجم التبادل التجاري من خمسة مليارات وأربعمائة مليون دولار عام ألفين وثلاثة ليتحاوز أربعين ملياراً وسبعمائة مليون دولار عام ألفين وثلاثة وعشرين. كما نفذ المقاولون الأتراك، بدعم من وكالة "تيكا"، أكثر من ألف وخمسمائة مشروع بقيمة استثمارية ناهزت ثمانية وسبعين مليار دولار شملت البنية التحتية والموانئ والمستشفيات.
ولم تتوقف أنقرة عند أرقام الدبلوماسية والتجارة، بل اعتمدت على القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية لتستهدف القلوب والعقول. وتتصدر مؤسسة "معارف" الحكومية الذراع التعليمي بإدارتها أكثر من مائتي مدرسة في ست وعشرين دولة إفريقية، إلى جانب تقديم آلاف المنح الدراسية في الجامعات التركية منذ ألفين وعشرة. وعلى الساحة الدينية، تنشط رئاسة الشؤون الدينية التركية بترميم المساجد القديمة وتدريب الأئمة وبناء صروح كبرى مثل مسجدي كينشاسا في الكونغو الديمقراطية وأكرا في غانا. وعلى الجانب الإنساني، برزت وكالة "تيكا" وهيئة الإغاثة الإنسانية (IHH) بمشاريع صحية وزراعية حيوية، تجسدت في افتتاح أول مستشفى تعليمي تركي خارج البلاد بالعاصمة الصومالية مقديشو عام ألفين وإحدى عشر.
ومع ترسيخ وجودها، دخلت تركيا مربع النفوذ العسكري والأمني، بتوقيع اتفاقيات دفاع وتدريب مع أكثر من خمس عشرة دولة إفريقية، وتأسيس أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال عام ألفين وسبعة عشر لتدريب القوات المحلية. ولعل العنصر الأكثر إثارة هو التصدير المتزايد لطائرات "بيرقدار تي بي اثنين" المسيرة لدول مثل إثيوبيا ونيجيريا وتوغو وبوركينا فاسو، وهو ما حسم معارك ميدانية وفرض أنقرة كمورد أمني أساسي ومفضل في المنطقة.
ورغم هذه النجاحات، تكتنف المسيرة التركية تحديات بارزة، في مقدمتها المنافسة المحمومة مع قوى دولية كبرى كالصين وروسيا وفرنسا، فضلاً عن الانتقادات الموجهة لطبيعة أجندتها الدينية أو دورها في الصراعات الإقليمية. كما تأثرت بعض مشاريعها عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة عام ألفين وستة عشر، لا سيما المدارس التي كانت تديرها جماعة غولن، مما تطلب إعادة هيكلتها ونقلها للجهات الرسمية.
وفي الختام، أضحت القارة الإفريقية ساحة استراتيجية ومجالاً حيوياً لتعزيز مكانة تركيا كقوة إقليمية ذات طموحات عالمية. ومع استمرار المبادرات الأناضولية في البنية التحتية والأمن والتعليم، يبدو النفوذ التركي في إفريقيا مرشحاً لمزيد من النمو، مما يعيد تشكيل الخارطة التحالفية ويفسح المجال لمنافسة أشد ضراوة مع القوى الأخرى في القارة.