01 مارس 2026

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الكوكب من المحيط إلى الخليج وفي يوم السبت الثامن والعشرين من فبراير لعام ألفين وستة وعشرين استيقظ العالم على نبأ قد يكون الأضخم والأكثر تأثيراً منذ عقود مضت حيث أعلن رئيس وزراء الكيان المحتل "بنيامين نتنياهو" ومن خلفه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ما وصفاه بالنصر المطلق والنهائي المتمثل في مقتل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي "خامنئي" في ضربة جوية مركزة استهدفت المربع الأمني الحصين في قلب العاصمة الإيرانية طهران وهذا الإعلان المزدوج الذي جاء بتنسيق استخباراتي عالي المستوى لم يكن مجرد خبر عسكري عابر في نشرات الأنباء بل كان بمثابة إعلان رسمي عن انهيار حجر الزاوية في النظام الثيوقراطي الذي حكم إيران بقبضة حديدية منذ عام تسعة وسبعين ليدفع بالمنطقة بأكملها إلى فوهة بركان ثائر لا أحد يملك القدرة على التنبؤ بموعد خمود حممه أو اتجاه تدفقها المدمر في ظل غياب الرأس المدبر لكل خيوط اللعبة الإقليمية المعقدة.
إن مقتل المرشد في هذا التوقيت الحرج وتحت وابل من الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت رأس النظام يضع الدولة الإيرانية أمام سيناريوهات مرعبة تبدأ من الشلل التام في كافة مفاصل الدولة التي تدار بمركزية مطلقة وصلاحيات دينية ودنيوية لولي الفقيه وصولاً إلى صراع أجنحة دامي ومحتوم داخل أروقة الحرس الثوري الإيراني الذي وجد نفسه فجأة بلا غطاء روحي وبلا قيادة عليا توجه تحركاته الميدانية والسياسية وفي حال تأكد الخبر بشكل نهائي وقطعي فإننا أمام انهيار حتمي وسريع لأحجار الدومينو في منطقة الشرق الأوسط حيث ستجد الأذرع الإقليمية الممتدة من ضاحية بيروت إلى صنعاء وبغداد نفسها في حالة يتم سياسي وعسكري مفاجئ مما قد يدفع هذه الفصائل إما نحو الانتحار العسكري الجماعي رداً على مقتل الأب الروحي والرمز الأول للمحور أو التفكك التدريجي والهروب من السفينة الغارقة أمام الضغوط الدولية المتصاعدة والضربات المتبادلة التي طالت القواعد الأمريكية في دول الخليج كالكويت وقطر والإمارات والبحرين كرد فعل أولي وجنوني على عملية الاغتيال الكبرى.
إن تداعيات هذا السقوط تتجاوز حدود طهران الجغرافية لتصل إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية لإيران حيث يقف الشارع الإيراني المنهك من العقوبات الاقتصادية والقمع الأمني لسنوات طويلة بين مطرقة الخوف من الفوضى الشاملة وسندان الرغبة الجامحة في الانعتاق من قيود النظام القديم وتتزايد التوقعات الدولية بانفجار انتفاضة شعبية كبرى قد تنهي حكم الملالي للأبد مستغلة حالة التخبط والارتباك التي أصابت القيادات الوسطى والعليا في النظام بينما يبرز تساؤل مرير وجوهري حول البديل المرشح لقيادة هذه السفينة التي تحترق في عرض البحر فهل يقفز مجتبى خامنئي نجل المرشد إلى واجهة المشهد بدعم من جنرالات الحرس الثوري المتشددين في محاولة يائسة وأخيرة للحفاظ على الإرث الديني والسياسي للعائلة أم أن واشنطن وتل أبيب أعدتا بالفعل مجلساً انتقالياً يضم أطيافاً من معارضة الخارج بوجوه مدنية وتكنوقراطية لإنهاء حالة العداء التاريخي مع الغرب وفتح صفحة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على المصالح المشتركة بعيداً عن الأيديولوجيات العابرة للحدود.
إن مقتل علي خامنئي ليس مجرد تصفية جسدية لخصم سياسي عنيد بل هو زلزال جيوسياسي أعاد رسم خارطة الشرق الأوسط بالدم والنار واضعاً العالم والقوى العظمى كروسيا والصين في مواجهة حقيقة واحدة وهي أن إيران ما قبل السبت قد انتهت ولن تعود أبداً وأن المنطقة دخلت رسمياً نفقاً مظلماً قد يؤدي إما إلى حرب المائة عام أو إلى سلام مفروض بقوة السلاح فوق ركام العواصم المحترقة ومع استمرار الصمت المطبق من بعض الدوائر الرسمية في طهران وتضارب الأنباء حول هوية الجثمان الذي انتشل من تحت أنقاض المجمع الرئاسي يظل الفراغ القيادي القادم هو الوحيد الذي يفوق في خطورته قوة الصواريخ الباليستية التي عبرت الأجواء فالنظام الذي بني على فكرة الشخص الواحد والرمز الواحد لا يمكنه النجاة من صدمة غياب هذا الرمز في ظل هجوم خارجي كاسح وضغوط داخلية متفجرة مما يجعلنا أمام مشهد ختامي لدراما سياسية بدأت قبل نصف قرن وتصل اليوم إلى ذروتها الدموية التي ستغير موازين القوى العالمية وتعيد صياغة التحالفات الدولية في زمن ما بعد ولاية الفقيه حيث تصبح كل الاحتمالات واردة من التقسيم الجغرافي إلى التغيير الجذري في هوية الدولة الإيرانية نفسها.