بحث


هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا مازال هذا الرجل يطاردنا

06 يونيو 2026

هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا  مازال هذا الرجل يطاردنا
هالة جابر

 

 

هناك فلاسفة نقرأهم ثم نختلف معهم.

 

وهناك فلاسفة نقرأهم ثم ننساهم.

 

لكن هناك نوع ثالث أكثر إزعاجًا؛ فلاسفة يزرعون سؤالًا في رأسك ثم يختفون، ويتركونك أنت وحدك مع السؤال.

 

مارتن هيدجر من هذا النوع.

 

لا أظن أن كثيرين يحبون قراءة هيدجر فعلًا. كتبه صعبة، ومصطلحاته معقدة، وجمله أحيانًا تبدو كأنها كُتبت خصيصًا لتعذيب القارئ. ومع ذلك، يظل اسمه حاضرًا كلما شعر الإنسان الحديث أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

 

المثير أن هيدجر لم يكن مشغولًا بالسياسة أو الاقتصاد أو حتى الأخلاق بالمعنى التقليدي. كان منشغلًا بسؤال يبدو بسيطًا إلى درجة السذاجة، سؤال يطرحه بلغة خاصة يسمي فيها الإنسان بـ"الدازاين" (Dasein)، وهو المصطلح الذي استخدمه للإشارة إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي ينشغل بسؤال وجوده، ثم يسأل:

 

ماذا يعني أن تكون موجودًا؟

 

للوهلة الأولى يبدو السؤال غريبًا. فنحن موجودون بالفعل، فما الحاجة إلى التفكير في الوجود؟

 

لكن هيدجر كان يرى أن المشكلة تبدأ من هنا بالضبط. نحن نعيش، نعمل، نخطط، نحب، نكره، نتشاجر، ننجح، ونفشل... لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا ما إذا كنا نعيش حياتنا فعلًا، أم أننا فقط ننفذ برنامجًا كُتب لنا مسبقًا.

 

١. سجن "الـ هُم" (Das Man): الحياة بنظام الإعارة

 

ربما لهذا السبب تبدو فلسفته حديثة أكثر مما ينبغي.

 

فلو نظرنا حولنا اليوم سنجد ملايين البشر يستيقظون على التنبيه نفسه، يتابعون الأخبار نفسها، يكررون الآراء نفسها، ويقيسون قيمة أنفسهم بالمقاييس نفسها. النجاح له شكل محدد، والسعادة لها شكل محدد، وحتى التمرد أصبح له شكل محدد.

 

كان هيدجر يسمي هذا الوقوع في عالم "الآخرين"، أو الغرق في سجن "الـ هُم" (Das Man).

 

"الـ هُم" ليس شخصًا بعينه، بل هو ذلك الكيان الهلامي والمجموع الذي نلوذ به هربًا من عبء الحرية وفردانيتنا. في هذا السجن تذوب الذات تمامًا.

 

أن تعيش كما يعيش الجميع.

 

أن تفكر كما يفكر الجميع، وتتحدث بلغة السوق الاجتماعي والافتراضي الرائجة.

 

أن تخاف مما يخاف منه الجميع.

 

والخطورة هنا ليست في التشابه الشكلي، بل في التخدير الكامل للوعي؛ فالإنسان في هذا الطور يسلم قيادة حياته للمجموع، ليصبح المجموع هو المبرر، وهو القاضي، وهو المخرج لعرض مسرحي باهت.

 

وكأن الإنسان يعيش حياة مستعارة، وآراء مستعارة، وحتى أحلامًا مستعارة.

 

والنتيجة؟ أن تموت في النهاية دون أن تعرف إن كانت تلك حياتك أنت أصلًا أم حياة شخص آخر ارتديتها لسنوات طويلة.

 

٢. القلق الوجودي: الصدمة التي تحطم زيف الحشد

 

كيف يستيقظ الإنسان من هذا الموت السريري للوعي؟

 

هنا يرى هيدجر أن الأمل لا يأتي من الطمأنينة أو الرفاهية، بل يأتي من "القلق" (Angst).

 

والقلق عنده يختلف تمامًا عن "الخوف"؛ فالخوف يكون من شيء محدد في العالم، كخسارة مال أو فشل علاقة، أما القلق فهو شعور غامض وثقيل يجتاح الإنسان فجأة ليعلنه أن العالم بأسره، بكل قوالبه الجاهزة والدافئة، قد فقد معناه فجأة.

 

في لحظة القلق الحقيقي، يسقط قناع "الـ هُم". يكتشف الإنسان فجأة أنه وحيد تمامًا، وأن هذا الحشد الذي يصفق له أو يملي عليه خطواته لن يحمل عنه عبء وجوده.

 

القلق هو هزّة عنيفة توقظ الروح، لأنه يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام الحقيقة المطلقة والوحيدة التي لا يمكن لأحد أن يعيشها نيابة عنه: حتمية الموت.

 

٣. الموت كأداة للتحرر

 

لهذا لم يكن الموت عند هيدجر موضوعًا كئيبًا كما يظن البعض. على العكس تمامًا.

 

كان يعتقد أن الإنسان لا يبدأ في رؤية حياته بوضوح، والانتقال إلى "الوجود الأصيل"، إلا عندما يتذكر أنها لن تستمر إلى الأبد. حين يدرك الإنسان أن موته هو تجربته الفردية المحضة التي لن ينوب عنه فيها أحد، يتحول الموت من فكرة مرعبة إلى أداة للتحرر العاطفي والفكري.

 

الموت، في نظره، ليس نهاية الحياة فقط، بل هو الشيء الذي يمنحها وزنها الحقيقي.

 

فالوقت المحدود هو الذي يجعل الاختيار مهمًا.

 

والفرصة النادرة هي التي تجعلها ثمينة.

 

والعمر القصير هو الذي يجعل السؤال عن المعنى أكثر إلحاحًا من السؤال عن الراحة.

 

عندها فقط، يتوقف الإنسان عن تبرير خياراته بعبارة "كل الناس تفعل ذلك"، ويتحمل مسؤولية كينونته بجسارة، فيختار ما يمثله هو، لا ما تمليه عليه خشبة مسرح الآخرين.

 

ربما لهذا السبب يعود هيدجر إلى الواجهة كلما شعر الناس بالضياع وسط الضجيج المعاصر.

 

ليس لأنه يملك الحلول الجاهزة.

 

بل لأنه يذكّرنا بالسؤال الذي نحاول الهرب منه منذ زمن طويل، ويضعنا وجهًا لوجه أمام ذواتنا:

 

هل نعيش الحياة التي اخترناها، أم الحياة التي اختارتها لنا الجموع؟


هيدجر فلاسفة يطاردنا السياسية
شاهد أيضًا
أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

25 سبتمتبر 2026
أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

17 سبتمتبر 2026
الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

17 سبتمتبر 2026
رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

11 سبتمتبر 2026
صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

09 سبتمتبر 2026
مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

07 سبتمتبر 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

02 سبتمتبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

26 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار”  آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار” آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

10 أغسطس 2026
هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

09 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

09 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

06 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

04 أغسطس 2026
عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

03 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

31 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

27 يوليو 2026
 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

26 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

26 يوليو 2026
التعليقات