بحث


جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

إن أسقفية الخدمات ليست مجرد كيان إداري، بل كنز كنسي ووطني لا يجوز أن يُترك فريسة للجمود أو البيروقراطية أو التراجع.

30 مايو 2026

جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

على امتداد عقودٍ طويلة، شكّلت أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية أحد الأعمدة الراسخة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية, بل وفي المجتمع المصري بأسره؛ إذ كانت بحق شريانَ عطاءٍ نابضًا امتد أثره إلى آلاف الأسر البسيطة، ونموذجًا مضيئًا للعمل التنموي والاجتماعي، حيث امتزجت الخدمة بالإيمان، والتكافل بالفعل لا بالشعارات.

فقد قادت الأسقفية، في سنوات ازدهارها السابقة، مشروعات كبرى أحدثت أثرًا حقيقيًا داخل نسيج المجتمع، سواء عبر خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، أو من خلال برامج التنمية الريفية التي أسهمت في تحسين مستوى المعيشة داخل القرى الأكثر احتياجًا، وفي مقدمتها خدمة الدياكونية الريفية، وغيرها من المبادرات التي صنعت فارقًا ملموسًا في حياة البسطاء.

وتعود جذور هذه المؤسسة العريقة إلى عام 1962، حين أسسها القديس الأنبا صموئيل، واضعًا حجر الأساس لمنظومة إنسانية وتنموية فريدة.

ثم تعاقب على الإشراف عليها الأنبا سرابيون والأنبا يؤانس، فنجحوا جميعًا في بناء شبكة واسعة من العلاقات المحلية والدولية، أتاحت تمويل مشروعات تنموية مستدامة، حتى غدت الأسقفية نموذجًا يُحتذى به في مجال الرعاية الاجتماعية والتنمية المجتمعية، ومنظومة متكاملة تجمع بين الخدمة والتوعية والتنمية.

غير أن المشهد تبدّل بصورة لافتة خلال العقد الأخير؛ إذ شهدت الأسقفية تراجعًا ملحوظًا، بلغ حد الغياب شبه الكامل عن الساحة المجتمعية.

اختفت البرامج التنموية من أرض الواقع، وخفت حضورها الذي كان يومًا طاغيًا ومؤثرًا، لتتحول من مؤسسة تقود العمل التنموي إلى مجرد ذكرى تاريخية في أذهان الأجيال القديمة.

ولعل المؤشر الأكثر إيلامًا أنني، أثناء كتابة هذا المقال، سألت عددًا من أبناء "جيل زد" عن أسقفية الخدمات وأنشطتها، فلم أجد سوى قلة محدودة، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، تعلم بوجودها أصلًا،

بل إن بعضهم اختزل معرفته بها في الكانتين التابع لها داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، والذي تحول لمجرد مشروع ربحي لبيع السلع الغذائية.

ولكن..يبقى السؤال المشروع: ما سر هذا الغياب؟.

وهل يعود الأمر إلى غياب رؤية متطورة قادرة على مواكبة تحديات العصر، وابتكار حلول مرنة للأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة؟ أم أن الأزمة أعمق، أم أن الأمر يعود إلى تراجع الرؤية التدبيرية والتنموية لدى المسؤول عن شؤونها، وضيق الأفق في استيعاب الدور الذي أُنشئت من أجله؟.

لقد تراجع الحضور المجتمعي للأسقفية بصورة واضحة، مقارنة بمؤسسات أخرى استطاعت أن تحافظ على فاعليتها وتأثيرها، مثل الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، وكذلك خدمة "أتحبني"، التي نجحت في الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع، بينما خفت بريق مؤسسة كانت يومًا عنوانًا للخدمة والتنمية.

واليوم، وفي ظل وطأة أزمة اقتصادية، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى عودة أسقفية الخدمات إلى دورها التاريخي؛ فالكنيسة وشعبها، بل والوطن بأسره، في أمسّ الحاجة إلى مؤسسة قادرة على احتضان الفئات التي دفعتها الظروف المعيشية تحت خط الفقر، واستعادة روح التكافل التي طالما ميّزت العمل الكنسي والاجتماعي.

إن أسقفية الخدمات ليست مجرد كيان إداري، بل كنز كنسي ووطني لا يجوز أن يُترك فريسة للجمود أو البيروقراطية أو التراجع.

ومن ثم، فإن إعادة إحياء هذا الدور تتطلب ضخ دماء جديدة، ورؤية عصرية، وقيادة تدرك حجم المسؤولية، وتعي احتياجات الناس وآلامهم، لتعود الأسقفية كما كانت، يدًا تمتد بالعطاء، وصوتًا ينطق بالرحمة، وجسرًا يصل الكنيسة بالمجتمع، وليس كالعبد الذي نال وزنة ودفنها في التراب.

فالخدمة التي كانت يومًا نورًا للفقراء، لا يليق بها أن تنطفئ في زمنٍ ازدادت فيه العتمة.


جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟ الأنبا سرابيون الأنبا يؤانس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المجتمع المصري خدمة الدياكونية الريفية الكاتدرائية المرقسية بالعباسية خدمة "أتحبني"
شاهد أيضًا
هالة جابر تكتب: إختبار نيتشه المرعب: هل تجرؤ على عيش حياتك للأبد؟

هالة جابر تكتب: إختبار نيتشه المرعب: هل تجرؤ على عيش حياتك للأبد؟

13 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق: القائد يُكرِّم الأبطال!

الحسين عبدالرازق: القائد يُكرِّم الأبطال!

12 يوليو 2026
منال الجيار تكتب: عزيزة وغالية

منال الجيار تكتب: عزيزة وغالية

09 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: جمهورية مصر القوية

الحسين عبدالرازق يكتب: جمهورية مصر القوية

05 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب:  ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

يحيى الشربيني يكتب: ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

02 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: السيسي أنقذ مصر

الحسين عبدالرازق يكتب: السيسي أنقذ مصر

30 يونيو 2026
د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

24 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

24 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

21 يونيو 2026
سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

21 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

17 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

17 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

07 يونيو 2026
عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

06 يونيو 2026
هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا  مازال هذا الرجل يطاردنا

هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا مازال هذا الرجل يطاردنا

06 يونيو 2026
جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

06 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

05 يونيو 2026
الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

04 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

02 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

30 مايو 2026
التعليقات