بحث


جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

كان دائمًا يغمرني بعطفه الأبوي، ويحيطني بمحبةٍ صادقة لا تُصطنع، حتى صار هذا الرجل بالنسبة لي قيمةً روحية وإنسانية يصعب وصفها بالكلمات.

23 مايو 2026

جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

أعرف الأنبا بولا منذ نعومة أظافري، أحببته طفلًا، واحترمته شابًا، وما زلت كلما اقتربت منه أشعر أنني أمام أبٍ حقيقيٍّ يحمل في قلبه من الحنان بقدر ما يحمل في روحه من الصلابة والإيمان.

كان دائمًا يغمرني بعطفه الأبوي، ويحيطني بمحبةٍ صادقة لا تُصطنع، حتى صار هذا الرجل بالنسبة لي قيمةً روحية وإنسانية يصعب وصفها بالكلمات.

ولطالما اتخذت قرارًا داخليًا بألّا أكتب عن الأنبا بولا ما دام حيًا بيننا؛ إذ كنت أؤمن أن الكتابة عنه بعد رحيله بالجسد ستكون أكثر تجردًا، وأبعد عن المجاملة أو المديح، لأن الرجال العظماء غالبًا ما تنصفهم الكلمات بعد أن يصمت حضورهم الأرضي، بينما تبقى أعمالهم شاهدة عليهم لا تحتاج إلى تزكية أحد.

لكنني توقفت طويلًا أمام اليوبيل الذهبي لرهبنته؛ خمسون عامًا كاملة من النسك والجهاد والخدمة، بل هي، في الحقيقة ، خمسون عامًا من الأسقفية أيضًا، إذ لم تمضِ سوى شهور قليلة على رهبنته حتى سيم خوري إيبيسكوبوس، ليبدأ منذ ذلك الحين رحلة عطاءٍ استثنائية امتزجت فيها روح الراهب بحكمة الراعي وقوة المعلّم.

وعندما أمسكت قلمي لأكتب عن هذا الأب الجليل، شعرت برهبةٍ حقيقية؛ فالكلمات أحيانًا تعجز أمام القامات الكبيرة، والحروف تقف مترددة حين تحاول الاقتراب من سيرة رجلٍ صار جزءًا من ذاكرة الكنيسة ووجدان شعبها.

كنت أسأل نفسي: من أين أبدأ؟ وكيف أصف رجلًا عرفته السنين ناسكًا، ومعلّمًا، وأبًا، وحارسًا أمينًا للإيمان الأرثوذكسي المستقيم؟

أعرف الكثير عن الأنبا بولا.. أعرف الراهب الذي عاش الزهد لا كشعارٍ يُقال، بل كأسلوب حياة.

رأيته بعيني يعيش في تقشفٍ شديد، بعيدًا عن مظاهر الأبهة، قريبًا من روح البرية التي خرج منها آباء الرهبنة الأوائل.

كان يمكن لهذا الرجل أن ينشغل بالمناصب والألقاب، لكنه اختار أن يبقى راهبًا حتى وهو يجلس على كرسي المطرانية.

وشاهدت بعيني، لا أسمع من الآخرين، ملفاتٍ وأوراقًا لا تنتهي، تخص أناسًا بسطاء من كل أنحاء مصر، مسيحيين ومسلمين، لجأوا إليه طالبين النجدة أو التدخل أو المساعدة.

هاتفه لا يغلق، وقلبه لا يتعب، وبابه لا يعرف الانغلاق في وجه متألم أو صاحب ضيقة.

كم من مرة ترك راحته وسافر مئات الكيلومترات فقط لينقذ إنسانًا لا يعرفه؟!،

كم من أزمة تدخل فيها بصمت، دون ضجيج أو استعراض؟!،

كم من دمعة جففها، وبيتٍ أعاد إليه السلام، ونفسٍ منحها الرجاء؟!،

كان يرى الإنسان أولًا.. قبل الدين، وقبل الانتماء، وقبل أي اعتبار آخر.

ولذلك أحبه الجميع، لأن المحبة الحقيقية لا تعرف التمييز، والقداسة الصادقة يلمسها الناس دون حاجة إلى كلمات.

وفي أصعب الأوقات التي مرت بها البلاد، بدا الأنبا بولا وكأنه آية إنجيلية تمشي على الأرض؛ رجل صلاةٍ ومواقف، يحمل قلب الراهب وعقل الحكيم،

لا يخشى إعلان الحق، ولا يتراجع عن الدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي السليم، وفي الوقت نفسه يحمل روحًا وطنية صادقة جعلته حاضرًا في كل أزمة تمس الإنسان المصري.

لقد أدرك نيافته أن العقيدة ليست مادةً للجدل، بل وديعة مقدسة، وأن الكنيسة التي حفظت الإيمان عبر القرون بالدموع والدم، لا يجوز أن تُفرّط فيه تحت أي ظرف.

لذلك ظل صوته واضحًا، ثابتًا، أمينًا لتعليم الآباء، مدافعًا عن الإيمان بلا تعصب، ومتمسكًا بالحق بلا قسوة.

خمسون عامًا مرت.. لكنها ليست مجرد سنوات تُحصى بالأرقام، بل تاريخٌ كامل من الصلاة والجهاد والخدمة والعطاء.

خمسون عامًا من السهر على شعبه، والاحتمال من أجل الكنيسة، والعمل في صمت الناسكين الحقيقيين الذين لا يطلبون مجدًا من الناس، لأن أعينهم معلقة دائمًا بالسماء.

وفي يوبيله الذهبي، لا نملك إلا أن نقول:

سلامٌ لذاك القلب الذي تعب من أجل الكنيسة،

وسلامٌ لتلك الركبتين اللتين انحنتا طويلًا في الصلاة،

وسلامٌ لذاك الصوت الذي لم يخشَ أن يعلن الحق،

وسلامٌ لذاك الناسك الذي أثبت أن الرهبنة ليست اعتزالًا للحياة، بل امتلاءً بالله.

كل عام ونيافته من مجدٍ إلى مجد، ومن قوةٍ إلى قوة، تحفظه نعمة المسيح، وتسنده صلوات آباء البرية،

ويبقى دائمًا منارةً أرثوذكسية شامخة في قلب الكنيسة القبطية، ورمزًا حيًا للرهبنة الأصيلة التي تُنير العالم بالصلاة والمحبة والحق.


جرجس إبراهيم يكتب:خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي
شاهد أيضًا
أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

25 سبتمتبر 2026
أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

17 سبتمتبر 2026
الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

17 سبتمتبر 2026
رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

رقية فريد تكتب: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح زميلًا للمعلم؟

11 سبتمتبر 2026
صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

صبرين حسن تكتب: حين تتنحي القصائد

09 سبتمتبر 2026
مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

مدحت الشيخ يكتب: محافظ المنوفية نموذج للقيادة

07 سبتمتبر 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

الحسين عبدالرازق يكتب: القاهرة بكين.. حضارة النيل والتنين!

02 سبتمتبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

يحيى الشربيني يكتب: كيف تحولت إفريقيا من ”انفتاح استراتيجي” إلى ملعَب نفوذ رئيسي لتركيا؟

26 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار”  آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار” آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

10 أغسطس 2026
هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

09 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

09 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

06 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

04 أغسطس 2026
عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

03 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

31 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

27 يوليو 2026
 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

26 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

26 يوليو 2026
التعليقات