بحث


يحيى الشربيني يكتب: فيروس ”هانتا”.. القاتل الصامت الذي يخرج من مخبأ القوارض ليحبس أنفاس العالم

08 مايو 2026

يحيى الشربيني يكتب: فيروس ”هانتا”.. القاتل الصامت الذي يخرج من مخبأ القوارض ليحبس أنفاس العالم

في وقت بات فيه العالم يترقب بحذر أي نذير لوباء جديد، يبرز اسم فيروس "هانتا" كواحد من تلك التهديدات التي تطل برأسها من حين لآخر، ليعيد إلى الأذهان قصص الرعب الفيروسي التي تتخفى في ثنايا الطبيعة. هذا الفيروس ليس وليد اليوم، ولكنه يمتلك تاريخًا غامضًا وقدرة فتاكة تجعله مادة دسمة للقلق الصحي العالمي، فهو ليس مجرد وعكة عابرة، بل هو هجوم شرس يستهدف الجهاز التنفسي أو الكلى، وغالبًا ما يبدأ برحلة هادئة تنتهي بكارثة صحية إذا لم يتم تداركها. وتعود قصة هذا الفيروس إلى عقود مضت، وتحديدًا إلى فترة الحرب الكورية في مطلع الخمسينيات، حيث أصيب مئات الجنود بمرض غامض تسبب في نزيف داخلي وفشل كلوي، وحينها ظل السبب مجهولًا لسنوات حتى تمكن العالم الكوري "لي هو وان" في عام 1976 من عزل الفيروس من فئران الحقل بالقرب من نهر "هانتان"، ومن هنا استمد الفيروس اسمه الذي صار يتردد في أروقة المختبرات كتحذير من خطر قادم من عالم القوارض.

إن فيروس هانتا لا ينتقل عبر الهواء كما نفهم في نزلات البرد العادية، ولا ينتقل من إنسان لآخر في أغلب سلالاته، بل هو "هدية مسمومة" تقدمها القوارض للإنسان. تعيش هذه الفيروسات في أجساد الفئران والجرذان البرية دون أن تمرضها، وتخرج مع فضلاتها ولعابها وبولها. وعندما تجف هذه الفضلات وتتحول إلى غبار مجهري يطير في الهواء، يستنشقه الإنسان دون أن يشعر أثناء تنظيف المخازن أو الحقول أو حتى التخييم في أماكن موبوءة، لتبدأ معركة غير متكافئة داخل جسده. وفي بعض الحالات النادرة، قد ينتقل الفيروس عبر العض أو ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الفم أو الأنف، مما يجعله عدوًا خفيًا يتربص بالبشر في أكثر الأماكن هدوءًا وعزلة.

تتعدد وجوه الإصابة بفيروس هانتا، ولكن أكثرها رعبًا هي "متلازمة هانتا الرئوية" التي تضرب الرئتين بقوة، حيث تبدأ الأعراض بشكل خادع يشبه الإنفلونزا؛ صداع حاد، آلام في العضلات، حمى، وإرهاق شديد. ولكن في غضون أيام قليلة، يتغير المشهد تمامًا، حيث يشعر المريض بضيق حاد في التنفس وكأن صدره يطبق عليه، وذلك نتيجة امتلاء الرئتين بالسوائل، وهي المرحلة التي تصل فيها نسبة الوفيات إلى مستويات مفزعة تتجاوز 38%. أما الوجه الآخر للفيروس فهو "الحمى النزفية المصحوبة بالمتلازمة الكلوية"، وهي الأكثر انتشارًا في أوروبا وآسيا، وتؤدي إلى آلام حادة في الظهر والبطن، وظهور طفح جلدي، وصولًا إلى الفشل الكلوي الحاد والنزيف الذي قد يودي بحياة المصاب إذا لم يتم التدخل الطبي السريع بالدعم اللازم وغسيل الكلى.

على مدار السنوات الماضية، لم يكن فيروس هانتا حبيسًا في بقعة جغرافية واحدة، بل سجل حضوره في قائمة طويلة من الدول، مما جعله ملفًا مفتوحًا أمام منظمة الصحة العالمية. فقد سجلت الولايات المتحدة الأمريكية مئات الحالات منذ اكتشاف المتلازمة الرئوية فيها عام 1993، وتركزت الإصابات في ولايات مثل نيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا. وفي قارة أمريكا الجنوبية، عانت دول مثل الأرجنتين، وتشيلي، والبرازيل، والأوروغواي من تفشيات دورية، حيث تم رصد حالات نادرة هناك لانتقال الفيروس من إنسان لآخر في سلالة "أنديز". أما في آسيا، فتتصدر الصين المشهد كأكثر الدول تسجيلًا للإصابات السنوية التي قد تصل لآلاف الحالات، تليها كوريا الجنوبية وروسيا. وفي أوروبا، سجلت دول مثل ألمانيا وفرنسا وفنلندا وكرواتيا إصابات بالمتلازمة الكلوية، مما يؤكد أن الفيروس ليس مرتبطًا بمناخ معين، بل بوجود القوارض الحاملة له في أي بيئة كانت.

حتى هذه اللحظة، لا يوجد علاج سحري أو لقاح معتمد عالميًا بشكل واسع للقضاء على فيروس هانتا فور دخوله الجسم، فلا المضادات الحيوية تنفع معه لأنه فيروس وليس بكتيريا، ولا توجد أدوية مضادة للفيروسات أثبتت كفاءة مطلقة ضده. العلاج يعتمد بشكل أساسي على "الإدارة الداعمة"، أي وضع المريض في العناية المركزة، واستخدام أجهزة التنفس الصناعي لضمان وصول الأكسجين للدم، ومراقبة وظائف الكلى والضغط. السر الحقيقي في النجاة هو الاكتشاف المبكر؛ فكلما نُقل المصاب إلى المستشفى في مراحل الأعراض الأولى، زادت فرص جسده في مقاومة الفيروس وتجاوز الأزمة. أما التأخر في التشخيص، فيعني الدخول في نفق مظلم من الفشل العضوي الذي يصعب الخروج منه.

ولأن الوقاية دائمًا هي حائط الصد الأول، فإن المعركة ضد فيروس هانتا تبدأ من نظافة المحيط وتأمين المنازل والمخازن ضد تسلل القوارض. يشدد خبراء الصحة على ضرورة غلق أي ثقوب في الجدران، واستخدام المصائد، وعدم ترك بقايا الطعام مكشوفة لجذب الفئران. وعند تنظيف الأماكن المهجورة أو المخازن التي قد تحتوي على فضلات القوارض، يجب الحذر من استخدام المكنسة العادية أو الكهربائية التي تثير الغبار الملوث، بل يفضل رش المكان بمحلول مطهر (مثل الكلور المخفف) لترطيب الفضلات ومنع تطايرها، مع ضرورة ارتداء الكمامات والقفازات. إن الوعي بطبيعة هذا الفيروس ليس مجرد رفاهية طبية، بل هو ضرورة حتمية للتعايش في عالم تتقاطع فيه مسارات البشر مع مسارات الطبيعة، ويبقى الحذر هو اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا العدو المجهري لتجنب الوقوع في فخ متلازماته القاتلة.


فيرس هانتا الوقاية منظمة الصحة العالمية القاتل الصامت العالم يحيى الشربيني
شاهد أيضًا
يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار”  آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

يحيى الشربيني يكتب: ”اليمن على خط النار” آخر تطورات الأوضاع في اليمن العسكرية والسياسية

10 أغسطس 2026
هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

هالة جابر تكتب:لا تربي ابنك ليكون مطيعًا.. ربيه ليكون عصيًّا على الاستغلال

09 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

09 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

الحسين عبدالرازق يكتب: دولة القانون... ومحاكمات التريند!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

الحسين عبدالرازق يكتب: الفرعون المصري جاهز للاحتفال!

07 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

الحسين عبدالرازق يكتب: الرسالة الأهم في واقعة القاضي المزيف!

06 أغسطس 2026
يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

يحيى الشربيني يكتب: في مرمى النيران

04 أغسطس 2026
عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

عيد فؤاد يكتب : روتين مستفز لممرضات وأطباء ..ومعاناة مرضى.. وتجاهل مسؤولين بمستشفيات جامعة الزقازيق يتطلب تحقيقا عاجلا ؟!

03 أغسطس 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: كلنا خلف الرئيس!

31 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

يحيى الشربيني يكتب : التاريخ الأسود لجماعة الإخوان في مصر من النشأة إلى الإرهاب المنظم

27 يوليو 2026
 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

 د.علي عبد الباقي يكتب: ​متلازمة ”النظرية الشبهية”.. عندما نعيش في جلباب المحاكاة الجوفاء!

26 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

الحسين عبدالرازق يكتب: ماذا جرى لتطبيق «نترا»؟!

26 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: محيي إسماعيل... لماذا أوجعتمونا؟!

الحسين عبدالرازق يكتب: محيي إسماعيل... لماذا أوجعتمونا؟!

23 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب: النظام الإيراني على حافة الهاوية: أزمات وجودية ومواجهة عسكرية تعجل بالانهيار

يحيى الشربيني يكتب: النظام الإيراني على حافة الهاوية: أزمات وجودية ومواجهة عسكرية تعجل بالانهيار

20 يوليو 2026
جرجس ابراهيم يكتب: وارثُ الرسالة

جرجس ابراهيم يكتب: وارثُ الرسالة

15 يوليو 2026
هالة جابر تكتب: إختبار نيتشه المرعب: هل تجرؤ على عيش حياتك للأبد؟

هالة جابر تكتب: إختبار نيتشه المرعب: هل تجرؤ على عيش حياتك للأبد؟

13 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق: القائد يُكرِّم الأبطال!

الحسين عبدالرازق: القائد يُكرِّم الأبطال!

12 يوليو 2026
منال الجيار تكتب: عزيزة وغالية

منال الجيار تكتب: عزيزة وغالية

09 يوليو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: جمهورية مصر القوية

الحسين عبدالرازق يكتب: جمهورية مصر القوية

05 يوليو 2026
يحيى الشربيني يكتب:  ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

يحيى الشربيني يكتب: ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

02 يوليو 2026
التعليقات