24 ابريل 2026

تعيش الساحة الرقمية اليوم حالة من الفوضى المعرفية غير المسبوقة، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات واعدة لتبادل المعرفة إلى حلبات مفتوحة لسيادة العلم الزائف وانتشار نظريات المؤامرة. هذا المشهد القاتم لم يأتِ بمحض الصدفة، بل هو نتاج تزاوج خطير بين سيكولوجية الجهل وخوارزميات تقنية لا تعترف إلا بلغة الأرقام، مما جعل الحقيقة العلمية غريبة ومطاردة في أروقة عالم افتراضي كان يُفترض أن يكون منارة للتنوير.
فخ الخوارزميات: الأولوية للانتشار لا للدقة
تكمن العلة الجوهرية في فلسفة عمل كبريات شركات التكنولوجيا (فيسبوك، إكس، يوتيوب)، حيث صُممت خوارزمياتها لتعظيم "معدلات التفاعل" (Engagement) باعتبارها المقياس الوحيد للنجاح. هذه الخوارزميات لا تمتلك القدرة —أو ربما الإرادة الكافية— على تمييز الغث من السمين، فهي تدفع بالمحتوى الذي يثير الغضب، أو الصدمة، أو يدغدغ العواطف البدائية إلى الواجهة، وهي مواصفات تنطبق تماماً على الأكاذيب والخرافات. في المقابل، يظل العلم الصحيح محصوراً في زوايا ضيقة، لأن لغته الرصينة والمنطقية لا تخدم هدف المنصات في إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق.
سطوة العلم الزائف واغتيال المنطق
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة هجمة شرسة من مروجي الأوهام والدجالين الذين استغلوا سهولة النشر للوصول إلى ملايين العقول. هؤلاء "المقرصنون عقلياً" يستخدمون أدوات بصرية جذابة وخطاباً عاطفياً لتبسيط أعقد القضايا العلمية وتشويهها، مما أدى إلى تراجع الثقة في المؤسسات العلمية والخبراء الحقيقيين. إن الفيديوهات التي تروج للخرافات تحقق اليوم مشاهدات فلكية، لتبنى هذه الأرقام فوق جثة العقلانية والمنطق، وفي ظل غياب الرقابة الحقيقية، صار "الهبد" مهنة مربحة تدر أموالاً على حساب وعي الشعوب وصحتها النفسية والجسدية.
نحو ضرورة الردع والمحاسبة
إن استمرار هذا العبث الرقمي يمثل تهديداً وجودياً لبناء المجتمع الواعي. لم يعد كافياً التعويل على وعي المستخدم الفردي فحسب، بل بات من الضروري فرض سياسات صارمة تُحمل هذه المنصات المسؤولية الأخلاقية والقانونية عما يُنشر فيها. يجب أن يكون هناك تحرك دولي وتشريعي لردع مروجي الشائعات ومحاسبتهم، مع ضرورة إعادة هندسة الخوارزميات لتعطي الأولوية للمصادر الموثوقة والمعلومات المحققة.
إن الحقيقة اليوم تمر بمأزق تاريخي، وإذا لم يتم تدارك هذا الانفلات الرقمي بوقفة جادة تُعيد للاعتبار قيمة العلم والمنطق، فإننا بصدد بناء أجيال تائهة في بحر من الأكاذيب، حيث يضيع الحق وسط صخب "التريند" وزيف المشاهدات. لقد آن الأوان أن يوضع حد لهذا التردي، وأن تستعيد العقلانية مكانتها المسلوبة قبل أن يغرق العالم في ظلمات التجهيل الممنهج.