بحث


يحيى الشربيني يكتب: ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

02 يوليو 2026

يحيى الشربيني يكتب:  ”دموع الكارون” الأحواز العربية الأسيرة بين سندان الجغرافيا ومطرقة التنكيل الإيراني

في قلب المنطقة الخليجية، وحيث تلتقي الممرات المائية الاستراتيجية، تقبع أرض عربية نابضة بالتاريخ ومثقلة بالجراح، منسية في ركام السياسة الدولية ومطامع الجوار. إنها دولة الأحواز العربية، الإقليم المنكوب الذي يمثل الجبهة الشرقية للوطن العربي، والذي يتعرض منذ عقود لعملية طمس هوية ممنهجة وتطهير عرقي صامت تقوده الدولة الإيرانية. هذا الإقليم الذي توازي مساحته مساحة دول كبرى، ليس مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل هو قضية شعب حي يرفض الذوبان في بوطقة "الفارسية" القسرية، ويتمسك بجذوره العربية ضاربًا في عمق التاريخ الأصيل.

تبدأ حكاية الأحواز من جغرافيتها الفريدة التي جعلت منها مطمعًا للغزاة على مر العصور؛ حيث يقع الإقليم في جنوب غرب الهضبة الإيرانية، ويحده من الغرب جمهورية العراق، ومن الجنوب والجنوب الغربي الخليج العربي، بينما تحده جبال زاغروس من الشمال والشمال الشرقي والشرق، وهي الحدود الطبيعية الفاصلة بين بلاد فارس والوطن العربي. وتمتد هذه الأرض المعطاءة على مساحة شاسعة تبلغ نحو 375 ألف كيلومتر مربع، وتضم طاقة بشرية هائلة تتجاوز 12 مليون نسمة، ينتمون إلى قبائل عربية عريقة حافظت على لغتها وتقاليدها رغم كل محاولات الفرسنة.

وتاريخ الأحواز يضرب بجذوره في أعماق الحضارة الإنسانية، حيث شهدت الأرض قيام الحضارة العيلامية قبل آلاف السنين، وتعاقبت عليها الممالك العربية وصولاً إلى إمارة بني كعب، والمعروفة بإمارة المحمرة، والتي عاشت أزهى عصور استقلالها السياسي والاقتصادي تحت حكم الأمير خزعل الكعبي. وكان للأحواز طابعها السيادي المستقل، وعلاقاتها الدبلوماسية المباشرة مع القوى الدولية كبريطانيا والدول المجاورة، مما جعلها دولة كاملة الأركان والسيادة، تتمتع بثروات زراعية ومائية هائلة جعلتها تُلقب بسلة غذاء المنطقة، بفضل الأنهار الكبرى المارة بها مثل نهر الكارون والكرخة والجراحي، وبفضل محاصيلها المشهورة عالميًا كالقمح، والشعير، وقصب السكر، وأشجار النخيل الباسقة التي تنتج أجود أنواع التمور في العالم.

وتضم الأحواز معالم تاريخية وحضارية شاهدة على عروبتها، مثل قلعة السلاسل في تستر، وقصر الشيخ خزعل الكعبي في المحمرة (قصر الفيلية)، والموقع الأثري في مدينة السوس التاريخية التي تعود للعهد العيلامي، فضلًا عن الأهوار الشاسعة التي تمثل محميات طبيعية فريدة ومصدرًا للحياة والزراعة والصيد لأبناء الإقليم.

لكن هذا الرخاء وهذا الاستقرار تحولا إلى رماد في العشرين من أبريل لعام 1925، وهو التاريخ الأسود الذي يمثل بداية الاحتلال الإيراني الغاشم للأحواز. ففي مؤامرة دنيئة قادها رضا شاه بهلوي، بالتواطؤ مع الاحتلال البريطاني، تم استدراج الأمير خزعل الكعبي وأسره، ليتم إعلان ضم الإقليم عسكريًا لبلاد فارس، وتغيير اسمه رسميًا إلى "خوزستان" بهدف محو الصبغة العربية تمامًا. ومنذ ذلك اليوم، تحولت الثروات الهائلة للأحواز، والتي تشكل اليوم أكثر من 85% من النفط والغاز الإيراني، إلى لعنة على شعبها، حيث تنهب طهران النفط لتستثمره في آلتها العسكرية ومشروعاتها التوسعية، بينما يعيش الأحوازيون تحت خط الفقر المدقع في مفارقة صارخة لبلد ينام على بحيرات من الذهب الأسود.

ولم يتوقف النزاع الأحوازي الإيراني منذ لحظة الاحتلال الأولى؛ بل تفجرت الثورات والانتفاضات الشعبية المتعاقبة التي قادها الأبطال الأحوازيون، بدءًا من ثورة الغلمان عام 1925، مرورًا بثورة الحويزة، وثورة بني طرف، وانتفاضة عام 2005 الشهيرة، وصولًا إلى "انتفاضة العطش" في السنوات الأخيرة. وكان الرد الإيراني دائمًا وحشيًا ولا يعرف أي التزام بالقوانين الدولية أو الإنسانية، حيث مارست سلطات طهران، سواء في العهد الملكي أو تحت عباءة نظام الملالي، شتى أنواع الانتهاكات وجرائم الحرب ضد شعب الأحواز الأعزل.

وتمثلت طرق التنكيل والاضطهاد الإيراني في سياسة "التفريس" الممنهجة، حيث يُحظر على الأحوازيين قانونًا التحدث باللغة العربية في الدوائر الرسمية، ويُمنع التعليم بها في المدارس، بل ويُجبر الآباء على تسمية أبنائهم بأسماء فارسية وإلا حُرموا من شهادات الميلاد. ولم تقتصر الجرائم على طمس الهوية الثقافية، بل امتدت لتشمل التهجير القسري وبناء المستوطنات الفارسية لتغيير الديموغرافيا السكانية، وحرمان السكان الأصليين من فرص العمل في الشركات النفطية المقامة على أراضيهم وتوظيف الوافدين الفرس بدلاً منهم.

أما الجريمة البيئية الإيرانية بحق الأحواز فتمثل قمة البشاعة؛ حيث عمدت طهران إلى بناء السدود وتحويل مجاري الأنهار التاريخية مثل نهر الكارون نحو المحافظات الإيرانية المركزية كأصفهان ويزد، مما أدى إلى تجفيف الأهوار وموت الزراعة المشهورة بها الأحواز، ونفوق الماشية، وانتشار الأوبئة والتلوث البيئي الخطير، في محاولة خبيثة لتعطيش الشعب الأحوازي ودفعه للهجرة القسرية وترك أرضه.

وفي غياهب السجون الإيرانية، تُكتب فصول مرعبة من التعذيب الجسدي والنفسي ضد الناشطين السياسيين والمثقفين الأحوازيين. وتشهد المحاكم الثورية الإيرانية الصورية على إصدار مئات أحكام الإعدام الجائرة بتهم فضفاضة مثل "المحاربة والإفساد في الأرض"، حيث يُساق الشباب الأحوازي إلى أعواد المشانق في الساحات العامة لترهيب المواطنين. إن ما يحدث في الأحواز هو جريمة متكاملة الأركان ضد الإنسانية، وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الصامت، الذي يغض الطرف عن أبشع صور الاضطهاد العنصري والعرقي في العصر الحديث، بينما يبقى الشعب العربي الأحوازي متمسكًا بتراب أرضه، مقدّمًا قوافل الشهداء، ومسطرًا بدمائه ملاحم الصمود والأمل في استعادة سيادته وحريته المسلوبة.


الاحواز الجغرافيا المنطقة الخليجية ارض عربية السياسة الدولية الاحواز العربية يحيى الشربيني
شاهد أيضًا
الحسين عبدالرازق يكتب: السيسي أنقذ مصر

الحسين عبدالرازق يكتب: السيسي أنقذ مصر

30 يونيو 2026
د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

24 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

24 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

21 يونيو 2026
سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

21 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

17 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

17 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

07 يونيو 2026
عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

06 يونيو 2026
هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا  مازال هذا الرجل يطاردنا

هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا مازال هذا الرجل يطاردنا

06 يونيو 2026
جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

06 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

05 يونيو 2026
الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

04 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

02 يونيو 2026
جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

30 مايو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

30 مايو 2026
الإعلامي خالد زكريا يكتب: الثروة لا تصنع إنسانًا ناجحًا

الإعلامي خالد زكريا يكتب: الثروة لا تصنع إنسانًا ناجحًا

24 مايو 2026
جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

23 مايو 2026
يحيى الشربيني يكتب : الأيام العشر من ذي الحجة ويوم عرفة أعظم أيام الدنيا وفرص لا تعوّض

يحيى الشربيني يكتب : الأيام العشر من ذي الحجة ويوم عرفة أعظم أيام الدنيا وفرص لا تعوّض

20 مايو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: كلاب الحدائق الضالة!

الحسين عبدالرازق يكتب: كلاب الحدائق الضالة!

19 مايو 2026
التعليقات