30 سبتمتبر 2026

بعد 12 عاماً من الحرب والمطاردة والمعارك ضد تنظيم داعش الارهابي، يغلق التحالف الدولي أحد أهم فصول وجوده العسكري في العراق، تاركاً خلفه سؤالاً أخطر من قرار الانسحاب نفسه: هل أصبح العراق مستعداً فعلاً لحماية أمنه وحدوده دون المظلة العسكرية الأمريكية؟ رحيل القوات الأجنبية لا يمثل مجرد نهاية مهمة عسكرية، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الأمن والسياسة والنفوذ داخل العراق، وتفرض تغيرات واسعة على علاقات بغداد بواشنطن وطهران والقوى الإقليمية والدولية. وبينما تعتبر بغداد الخطوة استعادة كاملة لقرارها وسيادتها، تترقب المنطقة ما سيحدث بعد خروج آخر الجنود.. هل يكون العراق أمام بداية عصر جديد من الاستقرار والسيادة، أم أن الفراغ الذي يتركه التحالف قد يشعل صراعاً جديداً على النفوذ؟
يطوي العراق، في 30 سبتمبر 2026، صفحة مهمة من تاريخه الحديث مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش الارهابي داخل الأراضي العراقية، بعد نحو 12 عاماً من انطلاقها. ويأتي هذا التحول بعد مسار تدريجي بدأ قبل عامين، ونُفذ على مراحل، وانتهى بتسليم القواعد والمقار العسكرية للقوات العراقية، لتنتقل البلاد إلى مرحلة جديدة عنوانها الأبرز استعادة السيطرة الأمنية الكاملة، والاعتماد بصورة أكبر على القدرات العراقية، مع استمرار التعاون الأمني الثنائي مع عدد من الدول.
والتحالف الدولي ضد داعش ليس مجرد تجمع عسكري تقوده الولايات المتحدة، وإنما إطار دولي واسع تأسس في سبتمبر 2014، بعد التوسع السريع لتنظيم داعش وسيطرته على مساحات كبيرة من العراق وسوريا، وخصوصاً بعد سقوط الموصل في يونيو من العام نفسه. وجاء تشكيل التحالف استجابة لطلب الحكومة العراقية للمساعدة في مواجهة التنظيم، وتحول سريعاً إلى أكبر تجمع دولي لمواجهة داعش، حيث وصل عدد أعضائه حالياً إلى 90 شريكاً، بينهم دول ومنظمات دولية وإقليمية.
وضمت قائمة الشركاء الولايات المتحدة وكندا وبنما، إلى جانب غالبية الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والدنمارك وبلجيكا والنرويج والسويد وفنلندا والنمسا واليونان والبرتغال وبولندا ورومانيا والتشيك وغيرها، كما شاركت دول عربية وشرق أوسطية من بينها العراق ومصر والأردن والإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين وتركيا ولبنان وسلطنة عمان، فضلاً عن دول آسيوية وأفريقية وأستراليا ونيوزيلندا. ولم يكن جميع أعضاء التحالف يشاركون بقوات قتالية على الأرض، إذ تنوعت مساهماتهم بين العمل العسكري، والتدريب، وتبادل المعلومات، ومكافحة تمويل الإرهاب، والمساعدات الإنسانية، وتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار ومواجهة الدعاية المتطرفة.
أما الذراع العسكرية للتحالف فكانت تعرف باسم قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب، وبدأت عملياً في أكتوبر 2014، بعدما طلب العراق دعماً جوياً وعسكرياً لمواجهة داعش. وكان الهدف الأساسي يتمثل في مساعدة القوات العراقية وقوات البيشمركة على استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم، وتطوير قدرات القوات المحلية بحيث تستطيع تحمل المسؤولية الأمنية بنفسها، إلى جانب ضرب شبكات التنظيم وقياداته ومصادر تمويله ومنع عودة قدرته على السيطرة على الأراضي.
وخلال سنوات الحرب، تمكن التحالف والقوات العراقية من تحقيق تحول كبير في ميزان القوى. فالتنظيم الذي كان يسيطر في ذروة تمدده على مساحات واسعة من العراق وسوريا، وخضع لسيطرته ملايين السكان، فقد معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، وانتهى وجوده كقوة عسكرية تسيطر على مدن ومناطق واسعة. وفي ديسمبر 2017 أعلنت بغداد الانتصار العسكري على داعش داخل العراق، بينما واصل التنظيم نشاطه بعد ذلك عبر خلايا سرية وهجمات محدودة وحرب استنزاف في بعض المناطق. كما ساهم التحالف في تدريب وتجهيز أعداد كبيرة من قوات الأمن العراقية، ودعم عمليات الاستقرار وإعادة الخدمات في المناطق المحررة.
وهنا يطرح السؤال الأهم: هل حقق التحالف الدولي هدفه بالكامل؟ الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فمن الناحية العسكرية، نجح التحالف بدرجة كبيرة في تدمير مشروع داعش كدولة وسيطرته الإقليمية، وإنهاء قدرته على إدارة مدن وأراضٍ شاسعة، كما أصبحت القوات العراقية أكثر قدرة على مواجهة التهديدات الإرهابية. لكن الهدف لم يتحقق بصورة مطلقة إذا كان المقصود القضاء النهائي على التنظيم وأفكاره وشبكاته، لأن داعش لم يختفِ بالكامل، وإنما تحول من تنظيم يسيطر على الأرض إلى خلايا وشبكات سرية قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة واستغلال الثغرات الأمنية والحدود والمناطق الوعرة. ولذلك فإن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني انتهاء خطر الإرهاب في العراق، وإنما انتقال مسؤولية مواجهته بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية.
الانسحاب الحالي يمثل كذلك تحولاً في مفهوم الوجود الأمريكي داخل العراق. فالقوات الأمريكية التي كانت في السنوات الأخيرة تقدر بنحو 2500 عسكري، أصبحت مهمتها مرتبطة بصورة أكبر بتقديم المشورة والدعم للقوات العراقية، قبل أن تبدأ عملية الانسحاب التدريجي، التي شملت إخلاء قواعد ومقار مهمة، من بينها قاعدة عين الأسد، وصولاً إلى اكتمال الانسحاب في نهاية سبتمبر 2026. ووفق الترتيبات الجديدة، لا يعني خروج القوات الأمريكية نهاية التعاون بين بغداد وواشنطن، وإنما الانتقال من إطار التحالف العسكري إلى علاقات أمنية ثنائية أكثر ارتباطاً بالتدريب وتبادل المعلومات والتعاون في مكافحة الإرهاب.
وعلى المستوى الأمني، سيكون الاختبار الحقيقي للعراق في قدرته على منع ظهور فراغ يمكن أن تستغله خلايا داعش أو أي جماعات مسلحة أخرى. فالقوات العراقية تمتلك خبرة قتالية كبيرة اكتسبتها خلال سنوات الحرب، لكنها ستواجه مرحلة مختلفة، يصبح فيها التخطيط والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة الجوية والقدرة على تنفيذ عمليات دقيقة أكثر اعتماداً على الإمكانات الوطنية والشراكات الثنائية. ويظل خطر داعش قائماً بصورة أقل بكثير مما كان عليه عام 2014، لكنه لم ينته تماماً، وهو ما يجعل بناء منظومة أمنية عراقية متماسكة أولوية أساسية في المرحلة المقبلة.
أما سياسياً، فإن الانسحاب يمنح الحكومة العراقية فرصة لتقديم الخطوة باعتبارها استعادة كاملة للسيادة الوطنية وإنهاء مرحلة الوجود العسكري الأجنبي، وهو مطلب ظل حاضراً بقوة في الخطاب السياسي العراقي لسنوات. لكن في الوقت نفسه، فإن خروج القوات الأمريكية يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل العراق، خصوصاً في ظل وجود قوى سياسية وفصائل مسلحة ترتبط بدرجات مختلفة بإيران. وهنا ستصبح مهمة الحكومة أكثر صعوبة، لأنها ستكون مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا والدول الأوروبية، من دون السماح بتحول العراق إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي.
وعلى المستوى العسكري، قد يؤدي الانسحاب إلى زيادة التركيز على بناء الجيش العراقي وأجهزة مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية وقوات حرس الحدود، إلى جانب تعزيز التنسيق بين بغداد وأربيل. كما ستكون قضية حصر السلاح بيد الدولة واحدة من أكثر الملفات حساسية، خاصة مع استمرار نفوذ فصائل مسلحة قوية تمتلك قدرات عسكرية وسياسية. نجاح الدولة العراقية في ضبط هذا الملف سيكون عاملاً رئيسياً في تحديد شكل المرحلة المقبلة، لأن استقرار العراق لا يرتبط فقط بمواجهة داعش، وإنما أيضاً بقدرة مؤسسات الدولة على امتلاك القرار الأمني والعسكري بشكل موحد.
اقتصادياً، لن يكون الانسحاب حدثاً عسكرياً فقط، وإنما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على علاقات العراق الخارجية وحركته الاقتصادية والاستثمارية. فالعراق يسعى إلى جذب استثمارات أجنبية وتنويع اقتصاده بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط، ويحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة تستطيع الشركات الأجنبية العمل داخلها. ولذلك فإن نجاح بغداد في الحفاظ على الاستقرار بعد الانسحاب قد يمثل فرصة لتعزيز الاستثمار والسياحة والطاقة والبنية التحتية، بينما أي عودة للتوتر الأمني قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتعيد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العراقي.
إقليمياً، يفتح انسحاب التحالف الباب أمام مرحلة جديدة في خريطة النفوذ داخل العراق. فالولايات المتحدة ستظل حاضرة سياسياً واقتصادياً، لكن من دون الوجود العسكري السابق، بينما قد تجد إيران وحلفاؤها مساحة أكبر للتحرك داخل المشهد العراقي. وفي المقابل، يمكن لبغداد أن تستفيد من هذه المرحلة لإعادة بناء علاقاتها العربية وتوسيع شراكاتها مع دول الخليج ومصر والأردن، إلى جانب الحفاظ على علاقاتها مع أوروبا وتركيا والولايات المتحدة. وهنا يتحول العراق من دولة تستضيف تحالفاً عسكرياً لمحاربة تنظيم إرهابي إلى دولة مطالبة بإدارة شبكة معقدة من العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية.
وفي النهاية، فإن خروج التحالف الدولي من العراق لا يعني أن كل المعارك انتهت، بل يعني أن طبيعة المعركة تغيرت. فالمعركة الأولى كانت تحرير الأرض من داعش، وقد حققت بغداد وحلفاؤها نجاحاً كبيراً فيها، أما المعركة الجديدة فهي بناء دولة قادرة على حماية أرضها وحدودها ومؤسساتها، ومنع عودة الإرهاب، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحقيق التوازن بين القوى الإقليمية والدولية، وتحويل الاستقرار الأمني إلى استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي. وبينما ينظر كثير من العراقيين إلى نهاية المهمة باعتبارها لحظة سيادة واستقلال في القرار، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد مغادرة آخر الجنود، عندما يصبح العراق مسؤولاً بصورة أكبر عن أمنه ومستقبله وعن منع أي فراغ يمكن أن يعيد البلاد إلى سنوات الفوضى والحرب.