04 نوفمبر 2026

في أعقاب انتخابات الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر 2026، دخلت الساحة السياسية الإسرائيلية في حالة من الجمود غير المسبوق، فمع فقدان كل من معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت للأغلبية المطلقة البالغة 61 مقعداً،
أصبحت الأحزاب العربية التي حصدت 19 مقعداً، وهو رقم قياسي، القوة الحاسمة في تشكيل الحكومة، هذا الوضع السياسي المعلق لا يعني فقط إعادة توزيع السلطة داخل إسرائيل، بل يرسل إشارات معقدة إلى مصر والعالم العربي، فالتغيير الحكومي لا يعني بالضرورة تحولاً في السياسة، لكن فترة الشلل السياسي قد تكون الأخطر.
بالنسبة لمصر، فإن التهديد الأكثر مباشرة لا يأتي من هوية رئيس الوزراء القادم، بل من السياسات التي قد تتبلور خلال فترة الجمود، فمنذ عام 2023، تصاعدت مخاوف القاهرة بشأن خطط التهجير القسري للفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسيادة المصرية والأمن القومي، ورغم أن المرشح المعارض آيزنكوت أعلن أيضاً أنه لن يقيم دولة فلسطينية في ظل حكومته،
إلا أن الحكومة التي يقودها هو قد تكون أقل أيديولوجية وأكثر تركيزاً على الأمن والحسابات الاستراتيجية، مما قد يخفف حدة التوتر حول غزة، لكن هذا السيناريو يتطلب أن يتمكن آيزنكوت من تشكيل حكومة مستقرة، وفي ظل معارضة العديد من القادة اليهود اليمينيين لتولي الأحزاب العربية مناصب، يبدو تشكيل حكومة أقلية بدعم خارجي من الأحزاب العربية هو المسار الواقعي الوحيد.
على الصعيد العربي الأوسع، يراقب الأردن بقلق التطورات في القدس والضفة الغربية، فالحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأكثر يمينية في التاريخ، وقد وصلت العلاقات الرسمية بين الأردن وإسرائيل إلى حالة من الجمود شبه الكامل وقد يؤدي تغيير الحكومة إلى استئناف الحوار،
لكنه لن يغير على الأرجح الموقف الإسرائيلي الأساسي تجاه القضية الفلسطينية، لأن دعم حل الدولتين داخل الطيف السياسي اليهودي في إسرائيل قد تراجع إلى الحد الأدنى، أما السعودية، فما زالت تصر على أن أي تطبيع مع إسرائيل يجب أن يتضمن خطوات جدية وقابلة للتنفيذ نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو شرط يرفضه نتنياهو، ولا يبدو أن أي مرشح آخر مستعد لقبوله.
أما بالنسبة لإيران، فنتيجة الانتخابات قد تكون لها تداعيات أكثر فورية، فنتنياهو يروج خلال حملته الانتخابية بأنه الشخص الذي يمكنه مساعدة ترامب في إنجاز المهمة ضد إيران، ويرى المسؤولون الإيرانيون أن فوزه قد يطيل الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لكن حتى لو خسر نتنياهو، لا توجد مؤشرات واضحة على أن المعارضة ستحاول كبح المواجهة مع إيران،
وهذا يعني أن السياسة الإسرائيلية تجاه إيران تظل ثابتة بغض النظر عمن يتولى السلطة، والمتغير الحقيقي هو فقط ما إذا كانت فترة الجمود السياسي ستؤدي إلى تدهور الرقابة على قرارات العمليات العسكرية.
في نهاية المطاف، ينبغي لمصر والعالم العربي ألا يعلقا آمالاً كبيرة على الانتخابات الإسرائيلية، فالتنافس بين الحكومة والمعارضة لا يعكس بالضرورة خلافاً جوهرياً حول القضية الفلسطينية، فالخطاب الأمني يظل طاغياً، وغياب الحل السياسي هو الوضع الطبيعي، والخطر الحقيقي يكمن في أنه كلما طال جمود تشكيل الحكومة، زادت حرية الحكومة الانتقالية في قرارات السياسة الخارجية، وقلت المساءلة الخارجية،
وهذه هي الفترة الأكثر خطورة، بالنسبة لمصر، يعني ذلك أن ليلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يجب أن تظل يقظة بشأن أي عملية قد تتخذها الحكومة الانتقالية على حدود غزة، لأن ما يهدد الأمن القومي المصري لم يكن يوماً من يتولى منصب رئيس الوزراء، بل تلك الأفعال التي تحدث في الفجوات بين السلطات.