04 نوفمبر 2026

يا وزير التعليم العالي.. لا يمكن الحديث عن تطوير الجامعات أو بناء منظومة تعليمية تليق بمستقبل مصر، بينما تظل هناك تساؤلات حول ممارسات إدارية تستوجب المراجعة، وشكاوى من إقصاء كفاءات علمية وأكاديمية، وقرارات تثير علامات استفهام حول حدود السلطة وآليات المحاسبة داخل بعض الجامعات.
لقد آن الأوان لفتح ملف الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرؤساء الجامعات، فليس من المنطقي أن يتحول المنصب الإداري إلى سلطة تتحكم في مصائر الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس والقيادات الأكاديمية، دون رقابة حقيقية تضمن العدالة وتحمي الحقوق. رئيس الجامعة ليس مالكًا للجامعة، ولا يحق لأحد أن يتعامل مع المؤسسة العلمية باعتبارها دائرة خاصة يديرها وفق حساباته وتفضيلاته الشخصية.
الأخطر من ذلك ما يثار بشأن إقصاء بعض أصحاب الكفاءات والخبرات، لمجرد أنهم لا يسايرون رغبات بعض المسؤولين، أو يرفضون الصمت أمام ما يرونه أخطاء تستوجب التصحيح. فهل أصبح الاختلاف في الرأي عيبًا إداريًا؟ وهل أصبح التمسك بالقواعد واللوائح سببًا كافيًا لإبعاد أصحاب الخبرة؟ وبأي منطق يتم استبعاد كفاءة علمية دون تقديم أسباب موضوعية واضحة تثبت عدم صلاحيتها؟
إن ما يثار حول آليات التقديم والاختيار للوظائف القيادية، سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية، يستحق مراجعة جادة، خاصة مع تكرار التساؤلات بشأن معايير المفاضلة ومدى الالتزام بتكافؤ الفرص، لا سيما في عدد من جامعات الدلتا والصعيد. فالمناصب القيادية ليست مكافآت تمنح للمقربين، ولا ينبغي أن تخضع للعلاقات والمجاملات، وإنما يجب أن تكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التطوير هي الفيصل الوحيد.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: من يراقب قرارات رئيس الجامعة؟ ومن يراجع اختياراته الإدارية؟ ومن يحاسب إذا ثبت أن قرارًا ما استهدف إبعاد كفاءة دون مبرر موضوعي، أو منح فرصة لآخر لا تتوافر فيه المعايير ذاتها؟
كما أن ملف المكافآت والحوافز والهدايا يحتاج إلى قواعد معلنة ورقابة مالية وإدارية صارمة، تضمن عدم استخدام الموارد والمزايا الجامعية في تكوين دوائر من المقربين أو تحقيق تمييز غير مبرر بين العاملين. فالمال العام وموارد الجامعات أمانة، وليست امتيازات شخصية توزع وفق اعتبارات العلاقات والولاءات.
يا وزير التعليم العالي.. لا تتركوا رؤساء الجامعات أمام صلاحيات واسعة دون مساءلة متوازنة. المطلوب ليس الانتقاص من سلطاتهم الإدارية، وإنما وضع حدود واضحة لها، وربطها بالمسؤولية والمحاسبة، وإنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى أعضاء هيئة التدريس وفحص قرارات الإقصاء والتظلمات من نتائج اختيارات القيادات الجامعية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الجامعة ليس نقص المباني أو الإمكانات فقط، وإنما أن تفقد أبناءها أصحاب العلم والخبرة، وأن يشعر الأستاذ الجامعي بأن الصمت طريق الأمان، وأن الاعتراض على الخطأ طريق الإقصاء.
الجامعة التي تخاف من الكفاءات ولا تحمي أصحاب الرأي لن تستطيع صناعة المستقبل.
إننا لا نطالب بامتيازات لأحد، ولا بحماية مسؤول من النقد، وإنما نطالب بدولة مؤسسات، يكون فيها القانون فوق الجميع، والكفاءة فوق المجاملة، والعدالة فوق العلاقات الشخصية.
يا وزير التعليم العالي.. حاسبوا المسؤول قبل أن تحاسبوا الأستاذ، وراجعوا قرارات الإقصاء قبل أن تخسر الجامعات ما تبقى لديها من كفاءات. فإصلاح التعليم يبدأ بإصلاح الإدارة، ولا إصلاح بلا مساءلة، ولا نهضة علمية في ظل سلطة لا تخضع للمحاسبة.