بحث


د.أحمد صفوت السنباطي يكتب: توظيف التدبير احادية الجانب كأداة لتقويض ميثاق الامم المتحدة

02 نوفمبر 2026

د.أحمد صفوت السنباطي يكتب: توظيف التدبير احادية الجانب كأداة لتقويض ميثاق الامم المتحدة

ميثاق الأمم المتحدة، وثيقة وُلدت من رحم حرب عالمية مدمرة، وأرادت أن تُرسي قاعدة بسيطة لكنها ثورية، أن العلاقات بين الدول لا تُدار بالقوة وحدها بل بقواعد متفق عليها، وأن السيادة ليست شعاراً بل حقاً متساوياً لكل الدول، وأن حل الخلافات يجب أن يمر عبر الحوار لا عبر الإملاء، لكن هذه القاعدة التي بُني عليها الميثاق تتعرض اليوم لضغط منهجي من نوع خاص، لا عبر حرب مباشرة عليه، بل عبر أداة تُستخدم باسم القانون أحياناً وباسم حماية حقوق الإنسان أحياناً أخرى، وهي التدابير الأحادية الجانب التي تفرضها دول بعينها على دول أخرى دون إذن من مجلس الأمن، فتحوّل العقوبة من قرار جماعي إلى سلاح فردي، ومن وسيلة لحفظ السلم إلى أداة لتقويض النظام الذي وُجد الميثاق لحمايته.

جوهر المشكلة أن هذه التدابير تضع قانون دولة واحدة فوق القانون الدولي، وتتجاوز الآلية الجماعية التي نص عليها الميثاق في الفصل السابع، حيث منح المجتمع الدولي سلطة فرض العقوبات لمجلس الأمن وحده، ليس لأنه الأقوى بل لأنه الأقرب إلى التمثيل الجماعي، حين تتخطى دولة ما هذا الإطار وتفرض عقوبات أحادية، فإنها لا تخالف نصاً قانونياً بعينه فحسب، بل تنقض المبدأ الذي يقوم عليه الميثاق، أن القرار في مسائل السلم والأمن يجب أن يكون جماعياً لا فردياً، وهذا ما حذر منه خبراء الأمم المتحدة أنفسهم حين أكدوا أن تنامي التدابير القسرية الأحادية يقوّض أسس الميثاق، بما في ذلك المساواة في السيادة وعدم التدخل والتسوية السلمية للنزاعات.

الأثر لا يتوقف عند المبدأ القانوني، بل يمتد إلى الحياة اليومية للناس، فالعقوبات الأحادية، حتى حين تُقدَّم كأدوات سياسية موجهة ضد حكومات، تنزلق في الممارسة إلى وقوعها على السكان العاديين، عبر قيود مصرفية تمنع وصول الأدوية، وصعوبات تأمين تعرقل وصول الغذاء، وشلل في سلاسل الإمداد يحوّل الاستثناءات الإنسانية إلى حبر على ورق، والجمعية العامة للأمم المتحدة نفسها أكدت مراراً أن المواد الأساسية كالغذاء والدواء لا يجوز أن تُستخدم أدوات ضغط سياسي، وأنه لا يجوز في أي حال حرمان الشعوب من وسائل عيشها وتنميتها، لكن الفارق بين النص والواقع هو ما يجعل هذه التدابير أداة فعالة في تقويض الميثاق، فهي لا تنتهك قواعده بشكل صارخ يسهل رصده، بل تنتهكها عبر التطبيق التدريجي والاستثناءات المغلقة والالتفاف على الآليات الجماعية.

والمفارقة الأعمق أن هذه التدابير تُقدَّم أحياناً كجزء من الدفاع عن النظام الدولي نفسه، بينما هي في جوهرها استبدال لهذا النظام بأداة أحادية لا تخضع لرقابة جماعية ولا لمساءلة متساوية، وحين تصبح العقوبات سلاحاً في يد دولة واحدة، فإنها تفقد شرعيتها كأداة لحفظ السلم، وتصبح عاملاً من عوامل عدم الاستقرار، لأنها تدفع الدول المستهدفة إلى البحث عن طرق بديلة للبقاء، وتخلق أسواقاً سوداء، وتعزز الانعزال، وتضعف الثقة في النظام الدولي ككل، والخطر الأكبر أن كل مرة تُستخدم فيها هذه الأداة دون رادع، تصبح سابقة يُستشهد بها لتبرير استخدامها مرة أخرى، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة، ويصبح الميثاق وثيقة تُقرأ في المناسبات الاحتفالية فقط، بينما تُدار العلاقات الدولية في الواقع بمنطق القوة الأحادية.

ما يفرضه هذا الواقع على من يريد الدفاع عن الميثاق ليس مجرد إدانة خطابية، بل إدراك أن المعركة الحقيقية هي معركة تفسير وتطبيق، فالميثاق ليس نصاً ميتاً، بل نظام حي يعيش أو يموت بحسب ما تفعله الدول به، وحين تُترك التدابير الأحادية دون مواجهة جماعية، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم ليست أن الميثاق قوي، بل أن من يملك القوة يستطيع أن يتجاوزه، والدفاع الحقيقي عن الميثاق يبدأ من الاعتراف بأن السيادة ليست امتيازاً لبعض الدول، وأن العقوبات ليست حقاً فردياً، وأن الأمن الجماعي لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء الأحادي فالميثاق الذي وُلد ليمنع عودة قانون الغاب لا يمكن أن يبقى حياً إذا سُمح لقانون الغاب بأن يعود متخفياً بزي القانون.


د.أحمد صفوت السنباطي يكتب: توظيف التدبير احادية الجانب كأداة لتقويض ميثاق الامم المتحدة
شاهد أيضًا
إبراهيم عمران يكتب :الجامعات الأهلية ليست ساحة للمجاملات والشهرة!

إبراهيم عمران يكتب :الجامعات الأهلية ليست ساحة للمجاملات والشهرة!

02 نوفمبر 2026
الدكتور فادي مكاوي يكتب: مصر في موسكو.. تحرك استراتيجي يعزز مكانة القاهرة

الدكتور فادي مكاوي يكتب: مصر في موسكو.. تحرك استراتيجي يعزز مكانة القاهرة

31 اكتوبر 2026
محرم السعدني يكتب: ”موسكو - كايرو”.. حين تحمل الطائرة حكاية من الصقيع إلى الدفء

محرم السعدني يكتب: ”موسكو - كايرو”.. حين تحمل الطائرة حكاية من الصقيع إلى الدفء

28 اكتوبر 2026
المهندسة المعمارية رانيا الدسوقي تكتب: التشطيب الذكي.. كيف تتحول الشقة العادية إلى تحفة معمارية؟

المهندسة المعمارية رانيا الدسوقي تكتب: التشطيب الذكي.. كيف تتحول الشقة العادية إلى تحفة معمارية؟

21 اكتوبر 2026
الاستقرار لا يُقاس بالخوف من الفوضى.. بل بما يمنحه الوطن لأبنائه من أمان وأمل

الاستقرار لا يُقاس بالخوف من الفوضى.. بل بما يمنحه الوطن لأبنائه من أمان وأمل

20 اكتوبر 2026
محرم السعدني يكتب: البلطجة بين الأطفال.. من ربّى الوحش الصغير؟!

محرم السعدني يكتب: البلطجة بين الأطفال.. من ربّى الوحش الصغير؟!

15 اكتوبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: حصار تعز.. نقطة سوداء في ضمير الإنسانية

يحيى الشربيني يكتب: حصار تعز.. نقطة سوداء في ضمير الإنسانية

15 اكتوبر 2026
سيد بدري يكتب: منتدى مصر 2026.. استراتيجية وطنية لتنمية المواهب الشابة وصناعة قادة المستقبل

سيد بدري يكتب: منتدى مصر 2026.. استراتيجية وطنية لتنمية المواهب الشابة وصناعة قادة المستقبل

15 اكتوبر 2026
الواعظة هند أبو عوالي تكتب: حين تحب كل شيء.. تذكّر أن الله فوق كل شيء

الواعظة هند أبو عوالي تكتب: حين تحب كل شيء.. تذكّر أن الله فوق كل شيء

13 اكتوبر 2026
د.نجلاء السلاوي تكتب: غذاؤك سر رشاقتك ونضارة بشرتك وقوة شعرك

د.نجلاء السلاوي تكتب: غذاؤك سر رشاقتك ونضارة بشرتك وقوة شعرك

12 اكتوبر 2026
إبراهيم عمران يكتب: أساتذة الجامعات.. ثروة وطن يهدرها تدني الأجور

إبراهيم عمران يكتب: أساتذة الجامعات.. ثروة وطن يهدرها تدني الأجور

12 اكتوبر 2026
مصطفى شومان يكتب: هل يدمن البشر الذكاء الاصطناعي؟

مصطفى شومان يكتب: هل يدمن البشر الذكاء الاصطناعي؟

11 اكتوبر 2026
الدكتور أحمد صفوت السنباطي يكتب: الأمن الإدراكي ساحة معركة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي

الدكتور أحمد صفوت السنباطي يكتب: الأمن الإدراكي ساحة معركة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي

09 اكتوبر 2026
أزهار عبد الكريم تكتب: اتفاق مكة من صراع اليمن إلى معادلة أمن البحر الأحمر

أزهار عبد الكريم تكتب: اتفاق مكة من صراع اليمن إلى معادلة أمن البحر الأحمر

08 اكتوبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: ظاهرة «الزومبي» .. الوجه المرعب للمخدرات التخليقية وأسباب الانتشار وطرق المواجهة

يحيى الشربيني يكتب: ظاهرة «الزومبي» .. الوجه المرعب للمخدرات التخليقية وأسباب الانتشار وطرق المواجهة

07 اكتوبر 2026
إبراهيم عمران يكتب: العلمين.. السيسي يعيد إفريقيا إلى قلب الحسابات المصرية

إبراهيم عمران يكتب: العلمين.. السيسي يعيد إفريقيا إلى قلب الحسابات المصرية

05 اكتوبر 2026
يحيى الشربيني يكتب: انتهى زمن التحالف.. أمريكا ترحل عن العراق، فمن يملأ الفراغ؟!

يحيى الشربيني يكتب: انتهى زمن التحالف.. أمريكا ترحل عن العراق، فمن يملأ الفراغ؟!

30 سبتمتبر 2026
أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

أسامة عمارة ورفاقه.. هنا تُكتب حكايات الرجولة! شباب اختاروا التعب والكفاح من أجل لقمة حلال ومستقبل يستحقونه

25 سبتمتبر 2026
أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

أ.د.شيرين حامد أبو وردة تكتب: عقول حبيسة الأدراج وموازنات تستنزف المليارات.. هل يملك التعليم العالي شجاعة العبور بـ ”جِـسُـور مِـصْـر”؟ (1)

17 سبتمتبر 2026
الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

الدكتور اسماعيل محمود يكتب: الشخصية السامة

17 سبتمتبر 2026
التعليقات