05 اكتوبر 2026

ليست كل القمم مجرد صور جماعية وبيانات ختامية، فبعضها يأتي في لحظة فارقة ليؤكد أن خريطة المصالح تتغير، وأن الدول التي تدرك قيمة موقعها وثقلها تتحرك قبل أن تفرض عليها الأحداث أجندتها. ومن هنا تأتي أهمية مؤتمر العلمين والفعاليات الأفريقية التي استضافتها مصر، باعتبارها محطة جديدة في مسار التحرك المصري داخل القارة.
الرئيس عبد الفتاح السيسي تعامل مع إفريقيا خلال السنوات الماضية باعتبارها دائرة استراتيجية أساسية في السياسة المصرية، وليس ملفًا ثانويًا أو مناسبة موسمية. فمصر بحكم موقعها الجغرافي والتاريخي ليست بعيدة عن إفريقيا، بل هي في قلبها، وما يحدث في حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر ينعكس بصورة مباشرة على أمنها ومصالحها.
ولعل اختيار العلمين لاستضافة هذه اللقاءات يحمل دلالة تتجاوز المكان؛ فمدينة ارتبط اسمها تاريخيًا بالحرب والصراع، تستضيف اليوم حوارًا حول التنمية والشراكة والسلام، في مشهد يعكس التحول من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء مسارات جديدة للتعاون.
ويأتي القرن الأفريقي في مقدمة الملفات التي تمنح التحرك المصري أهميته. فالمنطقة لم تعد قضية أفريقية داخلية، وإنما أصبحت نقطة التقاء بين أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الممرات البحرية، والأوضاع في السودان والصومال وإريتريا، فضلًا عن ارتباطها بملفات المياه وحوض النيل.
وهنا تظهر أهمية الدور المصري؛ فالقاهرة تمتلك مصلحة مباشرة في استقرار هذه المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تتحرك من خلال الحوار والتنسيق ودعم مؤسسات الدولة الوطنية والحلول السياسية، بعيدًا عن تعقيد الأزمات أو توسيع دوائر الصراع.
والرسالة الأهم التي تحملها التحركات المصرية هي أن الأمن وحده لا يصنع الاستقرار. فالدولة التي تعاني الفقر والبطالة وضعف البنية الأساسية تصبح أكثر عرضة للاضطراب والتطرف والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن ربط التعاون السياسي بالأمن والتنمية والاستثمار والتجارة يمثل مدخلًا أكثر شمولًا للتعامل مع تحديات القارة.
كما تفتح استضافة مصر لهذه الفعاليات الباب أمام القطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية لتعزيز حضورها في الأسواق الأفريقية، وتحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة ومشروعات وفرص عمل وشراكات طويلة الأمد.
إن رؤية الرئيس السيسي تجاه إفريقيا تقوم في جوهرها على أن مصر لا تستطيع أن تعزل أمنها عن محيطها، ولا يمكن أن تتعامل مع القرن الأفريقي باعتباره ملفًا بعيدًا عن مصالحها. فاستقرار السودان، وأمن البحر الأحمر، ودعم الصومال، وتعزيز التعاون مع دول شرق أفريقيا، كلها حلقات متصلة في منظومة واحدة.
ومن العلمين تبدو الرسالة المصرية واضحة: إفريقيا ليست هامشًا في السياسة المصرية، والقرن الأفريقي ليس ملفًا بعيدًا، بل هو جزء من معادلة الأمن والتنمية والمستقبل. ومصر، بحكم موقعها وثقلها وعلاقاتها التاريخية، تتحرك لتكون طرفًا فاعلًا في صياغة هذه المعادلة، بالحوار والشراكة والتنمية، لا بالصدام.