07 اكتوبر 2026

لم تعد مشاهد بعض الشباب الذين يتحركون في الشوارع ببطء، أو يقفون في حالة تيه، أو يفقدون القدرة على التحكم في أجسادهم وتصرفاتهم، مجرد لقطات غريبة تثير دهشة المارة، بعدما بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تطلق على هذه الحالات اسم «الزومبي»، في وصف لحالة إنسانية قاسية ترتبط في عدد من الوقائع بتعاطي المواد المخدرة، خاصة بعض المخدرات التخليقية شديدة التأثير.
وخلال الأيام الأخيرة، عادت هذه الظاهرة إلى الواجهة بعد تداول مقطع فيديو يظهر ثلاثة شباب في مدينة 6 أكتوبر في حالة غير طبيعية، وسط حديث عن تأثير المواد المخدرة عليهم، بينما بدأت الأجهزة الأمنية فحص الواقعة والتحقق من ملابساتها. كما تداولت مواقع التواصل مقطعًا آخر لشابين في أحد شوارع شبرا الخيمة ظهرا في حالة عدم اتزان شديدة، مع تداول مزاعم عن تعاطي مخدر «الاستروكس».
لكن خلف هذه المشاهد التي تبدو للبعض صادمة أو مثيرة للسخرية، توجد أزمة أكثر خطورة، تتعلق بانتشار أنواع جديدة من المخدرات التخليقية، وما يمكن أن تسببه من أضرار نفسية وعصبية وسلوكية، فضلًا عن انعكاساتها على الأسرة والشارع والعمل والجريمة والسلامة العامة.
مصطلح «الزومبي» ليس اسمًا علميًا لمرض أو نوع من الإدمان، وإنما وصف إعلامي وشعبي لحالات يظهر فيها الشخص المتعاطي وكأنه منفصل عن الواقع، بسبب التأثير الشديد لبعض المواد المخدرة على المخ والجهاز العصبي.
وقد تظهر الحالة في صورة فقدان الاتزان، بطء الحركة، التحديق لفترات طويلة، الارتباك، الهذيان، عدم القدرة على الحديث بصورة طبيعية، الحركات اللاإرادية، الهلاوس، اضطراب الوعي أو التصرفات العدوانية وغير المتوقعة.
وتختلف الأعراض من مادة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر، كما أن ظهور شخص في حالة تشبه هذه المشاهد لا يعني بالضرورة أنه تعاطى نوعًا محددًا من المخدرات؛ فالتشخيص يحتاج إلى فحص طبي وتحاليل متخصصة.
تتعدد صور هذه الظاهرة، ومن أبرزها ظهور أشخاص في الشوارع وهم غير قادرين على التحكم في خطواتهم أو أجسادهم، أو الجلوس لفترات طويلة في حالة غياب شبه كامل عن المحيطين بهم، أو التحدث بطريقة غير مترابطة، أو القيام بحركات غير مفهومة، أو الدخول في نوبات هياج وعدوانية.
وفي بعض الحالات قد يصل الأمر إلى فقدان الوعي أو التشنجات أو اضطراب شديد في الإدراك، وهي أعراض تجعل الشخص خطرًا على نفسه وعلى الآخرين، خصوصًا إذا كان يقود سيارة أو يتحرك بالقرب من الطرق السريعة أو الأماكن المزدحمة.
وتحذر وزارة الداخلية المصرية من أن المخدرات قد تؤثر على عقل المتعاطي وتفقده السيطرة على سلوكه وتصرفاته، وقد ترتبط بحالات من الهذيان وفقدان الاتزان والتشنجات واضطرابات الحركة.
تتمثل إحدى أخطر مشكلات سوق المخدرات في ظهور مواد تخليقية متعددة، قد تحتوي على تركيبات كيميائية مختلفة، وهو ما يجعل تأثيرها أكثر صعوبة في التنبؤ.
وأشارت بيانات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي إلى أن المخدرات التخليقية، ومن بينها «الشبو» و«الاستروكس» و«الفودو» و«البودر»، أصبحت من أكثر المواد التي تظهر بين الحالات التي تطلب العلاج. كما أعلن الصندوق أن الخط الساخن 16023 قدم خدمات علاجية لنحو 130 ألف حالة جديدة ومتابعة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025.
وتزداد خطورة هذه المواد عندما تكون مجهولة التركيب أو مخلوطة بمواد كيميائية مختلفة، لأن المتعاطي لا يعرف في كثير من الأحيان ما الذي يدخل إلى جسده، ولا يستطيع تقدير الجرعة أو تأثيرها الحقيقي.
لا يمكن اختزال مشكلة الإدمان في سبب واحد، فهي نتيجة مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية.
ويأتي الفضول والرغبة في التجربة بين أبرز الأسباب، خاصة لدى صغار السن الذين قد يبدأون التعاطي باعتباره تجربة عابرة قبل أن يتحول الأمر إلى اعتماد وإدمان.
كما يمثل تأثير الأصدقاء ورفقاء السوء عاملًا مهمًا، إلى جانب الضغوط النفسية والمشكلات الأسرية والشعور بالعزلة أو الفشل، والبحث عن وسيلة للهروب من الواقع.
وتشير بيانات منشورة عن حالات العلاج في مصر إلى أن تأثير الأصدقاء كان السبب الأكثر ورودًا في الحالات خلال الفترة التي تناولتها البيانات، يليه الفضول، وهو ما يؤكد أهمية الوقاية والتوعية قبل الوصول إلى مرحلة الإدمان.
كما يمثل سعي بعض تجار المخدرات إلى استهداف الشباب والطلاب خطرًا إضافيًا، من خلال الترويج للمخدرات باعتبارها وسيلة لزيادة النشاط أو السهر أو التخلص من الضغوط، وهي ادعاءات مضللة تخفي وراءها أضرارًا جسيمة.
الأضرار لا تتوقف عند لحظة التعاطي، وإنما يمكن أن تمتد إلى المخ والجهاز العصبي والقلب والأوعية الدموية والحالة النفسية.
وقد تشمل المضاعفات فقدان الذاكرة والتركيز، اضطراب التفكير والإدراك، الهلاوس، الاكتئاب، نوبات الهلع، السلوك العدواني، فقدان السيطرة على التصرفات، إضافة إلى مشكلات جسدية قد تصل في بعض الحالات إلى التسمم أو اضطرابات خطيرة في القلب والجهاز العصبي.
وتحذر الإدارة العامة لمكافحة المخدرات من مجموعة واسعة من الأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية المرتبطة بالتعاطي والإدمان، بينها اضطرابات المشي وفقدان الاتزان والتشنجات والاكتئاب الشديد والتسمم وغيرها.
المشكلة الأكبر أن تأثير المخدرات لا يبقى داخل جسد المتعاطي، وإنما يمكن أن يتحول إلى خطر على الأسرة والمجتمع.
فالشخص فاقد السيطرة على وعيه قد يتعرض لحادث أو يتسبب في حادث مروري، وقد يدخل في مشاجرات أو يرتكب تصرفات خطرة نتيجة فقدان الإدراك.
كما يمكن أن تؤدي رحلة الإدمان إلى خسارة العمل، وتراكم الديون، وتفكك الأسرة، والعنف داخل المنزل، والسرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على الأموال اللازمة لشراء المخدرات.
وتشير تقارير حديثة إلى ارتباط بعض أنماط تعاطي المخدرات التخليقية بظهور سلوكيات إجرامية خطرة، خاصة عندما يصل المتعاطي إلى مرحلة البحث القهري عن الأموال اللازمة لاستمرار التعاطي.
مواجهة الظاهرة تحتاج إلى منظومة متكاملة، لأن القبض على المتاجر بالمخدرات يمثل جانبًا واحدًا فقط من المعركة.
المواجهة الأمنية ضرورية لضرب شبكات الاتجار والتهريب والتوزيع، خصوصًا صغار الموزعين الذين يستهدفون الشباب والطلاب، لكن القضاء على المشكلة يحتاج أيضًا إلى الوقاية والعلاج والتأهيل.
وتتبنى مصر بالفعل خطة وطنية لخفض الطلب على المخدرات خلال الفترة 2024-2028، تقوم على الوقاية والكشف المبكر والعلاج والتأهيل وإعادة الدمج المجتمعي والاقتصادي للمتعافين، مع مشاركة عدد من الجهات الحكومية والمجتمع المدني.
تبدأ المواجهة من الأسرة، من خلال ملاحظة التغيرات المفاجئة في سلوك الأبناء، وعدم التعامل مع المشكلة بالإنكار أو العنف، وطلب المساعدة المتخصصة عند ظهور علامات مقلقة.
كما يجب تكثيف برامج التوعية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب، ليس فقط من خلال عرض أضرار المخدرات، وإنما بتقديم معلومات حقيقية للشباب حول أساليب الاستدراج وكيفية رفض ضغط الأصدقاء وطلب المساعدة.
ويأتي العلاج المبكر في مقدمة الحلول، لأن التعامل مع المدمن باعتباره «مجرمًا» فقط قد يدفعه إلى الاختباء ورفض العلاج، بينما يحتاج المدمن في الوقت نفسه إلى تطبيق القانون عند ارتكاب الجريمة، وإلى علاج وتأهيل طبي ونفسي عندما يكون الهدف هو التعافي.
وتوفر منظومة مكافحة وعلاج الإدمان في مصر خدمات علاجية مجانية وسرية، ويستقبل الخط الساخن 16023 طلبات العلاج والاستشارات، مع وجود مراكز علاجية تابعة للصندوق وجهات شريكة في عدد من المحافظات.
الأهم في التعامل مع مشاهد «الزومبي» المتداولة ألا تتحول معاناة المرضى إلى مادة للسخرية أو التصوير من أجل المشاهدات.
الشخص الذي يظهر في حالة فقدان وعي أو اتزان قد يكون أمام أزمة صحية خطيرة تحتاج إلى تدخل متخصص، وليس إلى تجمهر الناس حوله وتصويره ونشر الفيديو على مواقع التواصل.
كما يجب عدم محاولة مواجهة الشخص فاقد الوعي أو شديد الهياج بصورة عشوائية، بل إبعاد المحيطين عنه قدر الإمكان وطلب المساعدة الطبية أو الأمنية بحسب الحالة.
في النهاية، فإن ظاهرة «الزومبي» ليست ظاهرة خارقة، وإنما جرس إنذار اجتماعي وصحي يكشف الوجه القاسي للإدمان والمخدرات التخليقية. والمواجهة الحقيقية تبدأ من منع وصول المخدر إلى الشباب، ثم اكتشاف المشكلة مبكرًا، وتوفير العلاج، وإعادة تأهيل المتعافي، وملاحقة شبكات الاتجار، وبناء بيئة أسرية ومجتمعية تقلل فرص الوقوع في الإدمان.
فالمعركة ليست فقط ضد «مخدر» بعينه، وإنما ضد منظومة كاملة تبدأ بجرعة وتجربة وفضول، وقد تنتهي بفقدان الصحة والأسرة والعمل وربما الحياة نفسها.