11 ابريل 2026

خلف الأبواب الموصدة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لا يجلس مجرد مفاوضين؛ بل تجلس "الأقدار" التي ستحدد شكل العالم في العقد القادم. إن انطلاق المفاوضات المباشرة بين طهران وواشنطن، في أعقاب حرب استنزاف طاحنة وهدنة ترتعش من هول القادم، ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هو "زلزال جيوسياسي" قد يغير مفاهيم القوة والصراع التي اعتدناها منذ عام 1979.
منذ تلك اللحظة التي اقتحم فيها الطلاب السفارة الأمريكية في طهران قبل عقود، لم يرتفع مستوى التمثيل إلى هذا الحد. أن نرى جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي المثير للجدل، في مواجهة محمد باقر قاليباف، الجنرال الذي يرتدي بدلة السياسة، فهذا يعني أن الطرفين قد وصلا إلى قناعة بأن "الحرب الشاملة" باهظة الثمن، وأن "السلام المفقود" يحتاج إلى جراحين مهرة لا مبعوثين ثانويين.
إيران اليوم تأتي إلى الطاولة بجبهة داخلية موحدة بشكل غير مسبوق. حين يخرج القيادي الإصلاحي محمد رضا عارف ليبارك خطى "المحافظ" قاليباف، فنحن أمام رسالة إيرانية واضحة: "لا تعولوا على انقسامنا". طهران جاءت بوفد تقني يضم دهاقنة السياسة والاقتصاد، محملة بـ"ورقة العشرة بنود" كدرع تفاوضي، وبـ"مضيق هرمز" كخنجر يوضع على شريان الاقتصاد العالمي إذا ما تعثرت الحلول.
على الجانب الآخر، ترسل إدارة ترامب وفداً قوامه 300 شخص، في استعراض لـ"القوة الناعمة" المدعومة بترسانة عسكرية جاهزة للشحن. حضور كوشنر يشير إلى أن العقلية التجارية لترامب حاضرة بقوة؛ هو لا يبحث عن "تفاهمات نووية" معقدة بقدر ما يبحث عن "صفقة كبرى" تنهي الصداع الإيراني وتفتح المنطقة للاستثمارات، شريطة تفكيك الأذرع الإقليمية وتقليم أظافر الطموح النووي.
لكن الطريق نحو "دخان أبيض" من إسلام آباد مفخخ بالألغام. كيف يمكن لقاليباف أن يتنازل عن التخصيب وهو الذي يعتبره كرامة وطنية؟ وكيف يمكن لفانس أن يقبل بوجود نفوذ إيراني في بيروت وصنعاء وهو الذي يعد ناخبيه بـ"عظمة أمريكا" عبر سحق الخصوم؟ لبنان اليوم هو "ترمومتر" هذه المفاوضات؛ فإذا استمر القصف هناك، فإن طاولة إسلام آباد قد تتحول إلى حطام في أي لحظة.
إن الورقة الرابحة التي تلعب بها إيران بذكاء هي "واقعية القوة". لقد أثبتت التجربة العسكرية الأخيرة أن المواجهة المباشرة مع طهران ليست "نزهة"، وأن التحكم في مضيق هرمز منحها مقعداً ثابتاً في نادي الكبار. لذا، فإن أي اتفاق ناجح يجب أن يعترف بهذا الواقع الجديد؛ ميزان قوى مختلف يتطلب تنازلاً أمريكياً عن لغة "الإملاءات"، مقابل تنازل إيراني عن لغة "الشعارات الأيديولوجية" التي تجاوزها الزمن.
باكستان، بدورها، تلعب دور "المايسترو" الذي يحاول ضبط الإيقاع. فهي تدرك أن أي شرارة في الخليج ستحرق أصابعها أيضاً. لذا، فإن سعيهما لجمع الطرفين وجهاً لوجه هو محاولة لكسر "جدار الصمت" الذي بني على مدار 47 عاماً.
في الختام، يبدو أن احتمال النجاح يتسابق مع احتمالات الفشل في ماراثون محموم. العالم لا يملك رفاهية الانتظار؛ فإما أن تخرج إسلام آباد بـ"اتفاق الضرورة" الذي يضمن تدفق النفط ويهدئ الجبهات، أو أننا بصدد استراحة محارب قصيرة قبل أن تنفجر المنطقة في جولة جديدة من المواجهة، ستكون هذه المرة أكثر دموية وشمولاً. الساعات القادمة في إسلام آباد ليست مجرد كلام، إنها كتابة التاريخ بالحبر أو بالدم.