بحث


د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

24 يونيو 2026

د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه

في قلب الأحداث الكبرى، تُصنع مواقف عابرة تحفر عميقًا في الذاكرة، مواقف قد لا تستوعب مغزاها الحقيقي في لحظتها، لكنها تظل كامنة في وعيك حتى تستدعيها حادثة أخرى، فتضيء لك زاوية جديدة من الفهم.

هذا ما حدث معي تمامًا حينما تقاطعت في مخيلتي ذكريات من بطولة كأس العالم في قطر 2022، بمشهد مؤسف ومؤلم حدث مؤخرًا من تخريب في منطقة المشجعين (Fan Zone) بالعاصمة الإدارية الجديدة، بمناسبة احتفالات التأهل التاريخي.

مفارقة عجيبة بين مشهدين، تختزل الفرق بين ثقافة "الامتلاك" وثقافة "الاغتراب".

المترو يروي الحكاية: صرخة في وجه العبث

خلال زيارتي الأولى والأخيرة لدولة قطر لحضور المونديال، كنت أستقل عربة رجال الأعمال (VIP) في المترو. كانت الأجواء مشحونة بهتافات حماسية صاخبة لمجموعة من المشجعين الأرجنتينيين.

ومن فرط الحماس والقفز المتواصل، انكسر جزء بسيط من أحد المقاعد دون تعمد أو نية مبيتة للتخريب.

العربة كانت مزدحمة، لكن الموقف كان مرئيًا للجميع. وفجأة، شق الصفوف رجل قطري كان يجلس في نهاية العربة، واندفع نحو المشجع بعصبية شديدة، بدت غريبة على طبيعة التعامل المضياف والودود الذي اتسم به القطريون مع ضيوف المونديال.

وقف الرجل بثبات ووجه للمشجع كلمات حاسمة هزت أركان العربة:«هذا إرثنا وإرث أولادنا.. ولا يحق لك أن تفعل به ذلك!».

تحول الموقف سريعًا إلى ساحة للجدل؛ حيث أصر الرجل القطري إصرارًا قاطعًا على استدعاء الشرطة وتغريم المشجع، بينما تدخل الكثيرون—وكنت أنا منهم—محاولين تهدئة روعه وإقناعه بالتنازل، بحجة أن الضيف لم يكن يقصد، وأن الأجواء احتفالية.

لكن رد الرجل كان صاعقًا و حازما و قال: «والله لو كان هذا ولدي، وكان هذا إرث أولاده، لفعلت معه الشيء ذاته!». وبالفعل، طُبق القانون، وسُلّم الشخص، ودفع الغرامة.

الفان زون: غياب البوصلة والشعور بالملكية

قفزت هذه الذكرى بكل تفاصيلها إلى ذهني فور رؤيتي لصور التخريب التي طالت منطقة المشجعين في العاصمة الإدارية الجديدة (EFZ). حدث ذلك والمصريون يغمرهم الفرح بحدث كروي هو الأكبر في الكون، ابتهاجًا بانتصار طال انتظاره.

الشاهد هنا، والمفارقة التي تبكيك، هي "عقيدة الانتماء". إن الشعور اليقيني بأن هذا المرفق هو إرث شخصي وإرث للأجيال القادمة، كان غائبًا تمامًا عن وعي من قام بالتخريب في العاصمة الإدارية، حتى وإن كان فعله بحسن نية أو بدافع الحماس الأعمى.

لم يشعر هؤلاء للحظة أن هذا المرفق صُنع من مالهم العام، ومن ضرائبهم، وأنه ملكية خالصة لهم ولأبنائهم من بعدهم.

كيف نستعيد "وطننا"؟

إن الأزمة الحقيقية ليست في توفير الموارد أو بناء المنشآت الحديثة، بل في صياغة الوعي الجمعي. ما نحتاجه اليوم، وبشدة، هو استعادة شعور المواطن بأن هذه الأرض بمرافقها، وشوارعها، وإنجازاتها، هي ملكه الخالص، وليست ملكًا لفئة معينة أو جهة محددة.

عندما يتأصل هذا المفهوم في وجدان المواطن، لن نكون بحاجة إلى شرطي يراقب كل مقعد، أو كاميرا ترصد كل زاوية؛ عندها فقط—وقولاً واحدًا—لن يجرؤ أي شخص، مصريًا كان أو أجنبيًا، أن يخرّب إرثنا أو يجور عليه، لأن الشعب بأكمله سيكون هو الحارس الأمين على مقدرات وطنه. طالما ظل الإرث في عيوننا "إرثنا"، سيبقى مصونًا ومشرقًا بأيدينا


د.علي عبدالباقي يكتب: ​«هذا إرثنا».. عن وطنٍ يسكننا ولا نسكنه المترو قطر المقاعد
شاهد أيضًا
الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

الحسين عبدالرازق يكتب: شكراً فخامة الرئيس!

24 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

الحسين عبدالرازق: حوادث طرق عادية أم جرائم مرورية؟!

21 يونيو 2026
سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

سماح صادق قناوي تكتب: صياح الضمير

21 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

الحسين عبدالرازق يكتب: رئيس جمهورية مصر!

17 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: ثقافة الشارع

17 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

الحسين عبدالرازق يكتب: سليم الأنصاري وطارق نور!

07 يونيو 2026
عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

عبدالمنعم ابراهيم يكتب:دولة كسرت أسطورة “فوق القانون”.. ونخنوخ سقط في قبضة الدولة

06 يونيو 2026
هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا  مازال هذا الرجل يطاردنا

هالة جابر تكتب: هيدجر لماذا مازال هذا الرجل يطاردنا

06 يونيو 2026
جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

جرجس ابراهيم يكتب: حينما يتحول الضابط إلى خادمٍ للوطن والمواطن

06 يونيو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

الحسين عبدالرازق يكتب: مجنون شهرة!

05 يونيو 2026
الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

الدكتورة داليا البيسي تكتب: خطوات نحو النجاح

04 يونيو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب: شباب دائم 

02 يونيو 2026
جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

جرجس إبراهيم يكتب: أين أسقفية الخدمات؟

30 مايو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

الحسين عبدالرازق يكتب: شبيه الفنان فلان!

30 مايو 2026
الإعلامي خالد زكريا يكتب: الثروة لا تصنع إنسانًا ناجحًا

الإعلامي خالد زكريا يكتب: الثروة لا تصنع إنسانًا ناجحًا

24 مايو 2026
جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

جرجس إبراهيم يكتب: خمسون عامًا من الرهبنة.. الأنبا بولا رحلة عطاء لا تنتهي

23 مايو 2026
يحيى الشربيني يكتب : الأيام العشر من ذي الحجة ويوم عرفة أعظم أيام الدنيا وفرص لا تعوّض

يحيى الشربيني يكتب : الأيام العشر من ذي الحجة ويوم عرفة أعظم أيام الدنيا وفرص لا تعوّض

20 مايو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: كلاب الحدائق الضالة!

الحسين عبدالرازق يكتب: كلاب الحدائق الضالة!

19 مايو 2026
الحسين عبدالرازق يكتب:مصر بتفرح!

الحسين عبدالرازق يكتب:مصر بتفرح!

19 مايو 2026
الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب:  القدرة ... والقوه

الدكتور عبدالله حسن الحجازي يكتب:  القدرة ... والقوه

18 مايو 2026
التعليقات