20 اكتوبر 2026

ليست أصعب الأسئلة تلك التي تتعلق ببقاء الأوطان، بل تلك التي نحاول بها أن نفهم معنى بقائها في حياتنا. فأن يظل الوطن قائمًا وتعمل مؤسساته أمر لا يمكن التقليل من أهميته؛ لكن ماذا يعني هذا البقاء للإنسان الذي يعيش داخله، ويقيس أيامه بما يستطيع توفيره لأسرته، وبما يتبقى له من قدرة على الأمل؟
في افتتاح منتدى مصر 2026، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية الحفاظ على الدولة واستمرار الاستقرار، قائلًا: «أنا معنديش غير مصر.. هي وبس». وتناول ما تحقق في قطاعات الدولة، وأهمية عرض البيانات ومناقشتها وقبول النقد، كما حذّر من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في الوعي والذاكرة الوطنية، وأشار إلى أن مستوى معيشة المواطن لا يزال دون ما يتمناه. وبين هذه الرسائل، يبرز سؤال يتجاوز التصريحات ذاتها: كيف نحافظ على الدولة، ونجعل الاستقرار فرصة لتحسين حياة الإنسان وتعزيز ثقته في المستقبل؟
فالخوف قد يوحّد الناس في لحظة الخطر، لكنه لا يبني وحده علاقة مستقرة بين الإنسان ووطنه؛ قد يدفعه إلى التمسك بما يخشى فقدانه، لكنه لا يغنيه عن حاجته إلى الشعور بأن حياته تتحسن، وأن الغد ليس مجرد عبء جديد.
المواطن ليس رقمًا في معادلة الاستقرار، ولا متلقيًا ينتظر أن تُعرض عليه الإنجازات كي يقرر ما إذا كان يحق له أن يقلق، بل هو الطرف الذي تنتهي إليه نتائج السياسات. قد يرى مشروعًا جديدًا فيشعر بالفخر، ثم يعود إلى بيته ليحسب نفقات الشهر، وقد يخشى على بلاده من الفوضى، وفي الوقت نفسه يتمنى تغيير واقعه. ولا تناقض في ذلك إلا إذا افترضنا أن حب الوطن يقتضي الرضا المطلق عن كل ما يحدث فيه.
وفي حديثه عن المنتدى، أشار الرئيس إلى أهمية عرض ما أنجزته الدولة ومناقشة ما تحقق وما لا يزال يحتاج إلى معالجة، كما أقرّ بأن مستوى معيشة المواطن لم يصل إلى ما يتمناه. وتفتح هذه الرسائل بابًا للتفكير في معنى الإنجاز نفسه؛ فالعرض يكتسب قيمته حين يساعد على فهم الواقع، والإنجاز تزداد أهميته حين ينعكس على حياة الناس، وتظل المشكلات التي يواجهونها جزءًا من النقاش حول ما ينبغي استكماله وتحسينه.
إن أخطر ما يصيب معنى الانتماء هو أن يتحول إلى اختبار دائم لإثبات الولاء؛ فالانتماء لا يُقاس بقدرة المواطن على الصمت عن ألمه، ولا باعتبار كل سؤال تشكيكًا، بل بقدرته على المشاركة وهو يشعر أن صوته جزء من حياة بلاده، لا عبء عليها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الاستقرار ينبغي ألا يقف عند استحضار احتمالات غيابه، بل يمتد إلى ما يتيحه حضوره. فالاستقرار ليس مجرد نقيض للفوضى، بل هو شرط يتيح العمل والتنمية ومعالجة المشكلات. وإذا كان الحفاظ على الدولة ضرورة، فإن تحسين أحوال المواطنين ومراجعة ما يحتاج إلى إصلاح جزء من مسؤولية استمرارها وتقدمها.
وفي هذا السياق، لا تُقاس قيمة الحوار بمجرد إتاحة الكلام، بل بما يتيحه من فهم للواقع، وكشف لمواضع الخلل، وتحديد لما ينبغي استكماله. فالبيانات لا تفقد قيمتها حين تُناقش، والإنجاز لا ينتقص منه أن نضع إلى جواره ما لم يكتمل بعد.
وتتصل بذلك مسألة الوعي والذاكرة الوطنية؛ فقد حذّر الرئيس من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي، ومن قدرتها على عزل المستخدم داخل دائرة من المحتوى الذي يوافق اهتماماته. وهنا لا تقتصر المسألة على كثرة الاستخدام، بل تمتد إلى الطريقة التي يفهم بها المجتمع ماضيه وحاضره.
فالذاكرة ليست مخزنًا للأحداث نعود إليه لتذكير الأجيال بما جرى، بل هي قدرة المجتمع على فهم ماضيه واستخلاص ما يعينه على عدم تكرار أخطائه. ومواجهة التضليل والشائعات لا تتحقق بالتحذير وحده، بل تحتاج أيضًا إلى معرفة موثوقة، وتعليم ينمّي التفكير، وإعلام يحترم الحقيقة.
في النهاية، لا يحتاج الوطن إلى مواطنين يخافون عليه فحسب، بل إلى مواطنين يملكون أسبابًا للثقة في قدرته على التقدم. فمصر ليست فكرة مجردة نتفق عليها في الخطب ثم نختلف حول تفاصيلها؛ إنها حياة الناس بأعبائها وأحلامها وحقوقها.
والوطن الذي نريد الحفاظ عليه ليس مجرد وطن «يبقى»، بل وطن يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه، ويختلفوا حوله، ويعملوا على إصلاحه، من دون أن يشعروا أن حبهم له موضع اتهام كلما طالبوا بأن يكون الغد أفضل.