29 يناير 2026

وافق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، اليوم الخميس، على تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني تنظيماً إرهابياً، في خطوة وُصفت بأنها الأشدّ منذ سنوات في مسار تشديد الضغوط الأوروبية على طهران، وذلك بالتوازي مع إقرار حزمة جديدة من العقوبات استهدفت أفراداً وكيانات إيرانية على خلفية التورط في قمع الاحتجاجات الشعبية ودعم إيران لروسيا في حربها على أوكرانيا.
ويمثّل القرار إجماعاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي على الانتقال من مرحلة الإدانات والتنديد إلى خطوات عملية ذات طابع قانوني وسياسي مباشر، في ظل تصاعد القلق الأوروبي من سلوك السلطات الإيرانية داخلياً وخارجياً، ولا سيما بعد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد منذ أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عبر منشور على منصة «إكس»، أن وزراء خارجية الاتحاد «اتخذوا خطوة حاسمة بتصنيف الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً»، معتبرة أن «أي نظام يقتل الآلاف من شعبه يمضي عملياً باتجاه رحيله». وشددت على أن هذا القرار يعكس موقفاً أوروبياً واضحاً تجاه ما وصفته بـ«القمع الدموي» الذي مارسته السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين.
وجاءت هذه الخطوة بعد إعلان عدد من الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، خلال الأيام الماضية تأييدها الصريح لإدراج «الحرس الثوري» على لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، بعد سنوات من التردد والانقسام داخل التكتل بشأن تداعيات قرار كهذا على العلاقات الدبلوماسية مع طهران.
وبالتوازي مع التصنيف، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات مباشرة على وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، والمدعي العام محمد موحدي آزاد، إضافة إلى القاضي إيمان إفشاري، إلى جانب ست منظمات إيرانية، من بينها جهات متورطة في مراقبة المحتوى الرقمي والتضييق على حرية التعبير عبر الإنترنت. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه إيران من انقطاع واسع للإنترنت منذ ثلاثة أسابيع بقرار من السلطات، في محاولة للحد من انتشار الاحتجاجات وتداول المعلومات.
وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي في بيان رسمي أن الأشخاص والكيانات المدرجين على قوائم العقوبات «تورطوا جميعاً في القمع العنيف للاحتجاجات السلمية، والاعتقال التعسفي للناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان». كما شملت العقوبات تجميد أصول 15 مسؤولاً، من بينهم قيادات بارزة في «الحرس الثوري»، وحظر سفرهم إلى دول الاتحاد، إضافة إلى إدراج ست كيانات اقتصادية وأمنية مرتبطة بالجهاز على القائمة السوداء.
وتزامنت هذه القرارات مع تقارير حقوقية وثّقت مقتل آلاف الأشخاص، معظمهم من المتظاهرين، على يد قوات الأمن الإيرانية منذ اندلاع الاحتجاجات على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، قبل أن تتحول سريعاً إلى حراك سياسي يرفع شعارات مناهضة للنظام.
من جانبها، رحبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين بقرار الدول الأعضاء، معتبرة أن «مصطلح إرهابي هو الوصف الصحيح لنظام يقمع تظاهرات شعبه بسفك الدماء»، في إشارة مباشرة إلى الدور الذي يلعبه «الحرس الثوري» في ضبط الداخل الإيراني.
وقبيل اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل، قالت كالاس للصحافيين إنها كانت تتوقع هذا التوافق، مضيفة: «عندما يتصرف طرف ما كإرهابي، فعليه أن يتوقع أن يُعامل كإرهابي». وأكدت أن تصنيف «الحرس الثوري» يضعه في الخانة ذاتها مع تنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش»، مشيرة إلى أن الجهاز لعب دوراً مركزياً في قمع المحتجين.
وعلى الرغم من مخاوف بعض الدول الأوروبية من أن يؤدي القرار إلى انهيار كامل في العلاقات مع طهران، شددت كالاس على أن «القنوات الدبلوماسية ستظل مفتوحة»، حتى بعد إدراج «الحرس الثوري» على لائحة المنظمات الإرهابية.
وفيما لم يصدر تعليق إيراني فوري، كانت طهران قد انتقدت بشدة خلال الأيام الماضية التوجه الأوروبي، محذّرة من «عواقب مدمّرة» في حال إقرار التصنيف، علماً أن دولاً أخرى، من بينها الولايات المتحدة وكندا، سبقت الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ الخطوة ذاتها.
وشهد الموقف الفرنسي تحولاً لافتاً، بعدما كانت باريس تُعد من أبرز المعارضين للتصنيف، بسبب مخاوف تتعلق بمصير مواطنين أوروبيين موقوفين في إيران. إلا أن قصر الإليزيه أعلن رسمياً تأييده إدراج «الحرس الثوري» على اللائحة الأوروبية، فيما أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن «لا إفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة»، داعياً السلطات الإيرانية إلى الإفراج عن السجناء ووقف الإعدامات وحجب الإنترنت.
كما دعت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا إلى اغتنام ما وصفته بـ«فرصة تاريخية» لتصنيف «الحرس الثوري»، معتبرة أن القرار «واجب أخلاقي وليس رمزياً»، وله تأثير حقيقي في مسار المحاسبة.
ويعود تأسيس «الحرس الثوري» إلى عام 1979، بعيد انتصار الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني، وهو يخضع مباشرة لإمرة المرشد الأعلى علي خامنئي، ويتمتع بنفوذ سياسي وأمني واقتصادي واسع داخل البلاد. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي سبق أن فرض عقوبات على «الحرس» وقياداته، فإن الخطوة الجديدة تحمل رمزية سياسية كبيرة ورسالة إدانة شديدة اللهجة للسلطات الإيرانية، وقد تؤدي إلى مصادرة أصول تابعة له داخل أوروبا.