بحث


محمد أبوحلاوة يكتب: قيمتك في ذاتك أم في خدماتك؟!

22 فبراير 2026

محمد أبوحلاوة يكتب: قيمتك في ذاتك أم في خدماتك؟!

"ما دمتَ تركض خلفهم ولأجلهم

فسيركضون وراء غيرك لو وعيت!

والناس إن بيّنت حبّك أرخصوا

ويطالبونك بالمجيء إذا اختفيت!"

ليست هذه الأبيات كلمات موزونة فحسب، بل هي مدخل صريح لفهم واحدة من أعقد معادلات العلاقات الإنسانية. فالشعر هنا لا يزين المعنى، بل يكشفه. لا يبالغ، بل يختصر تجربة متكررة يعيشها كثيرون دون أن يملكوا شجاعة الاعتراف بها. ومن هذا المعنى الشعري يبدأ السرد… ليشرح ما بين السطور، ويفتح ما أغلقه الاعتياد، ويضع أمامنا مرآة الحقيقة كما هي.

ليست هذه الأبيات مجرد عتاب عابر، بل تشريح هادئ لخلل يتكرر في علاقاتنا الإنسانية — سواء كانت عاطفية، اجتماعية، أو حتى مهنية. إنها تضع إصبعها على موضع حساس: اختلال الميزان بين العطاء والكرامة، بين القرب والقيمة، بين الحضور والهيبة.

في العلاقات الإنسانية هناك قانون غير مكتوب يحكم حركة القلوب والاهتمام:

كلما ركضت خلف شيء هرب منك، وكلما ثبتَّ في مكانك اقترب إليك ما يستحقك.

قانون غير مكتوب

في النفس البشرية قانون لا يُدرَّس لكنه يُمارَس كل يوم:

ما يُبذل بلا حدود يُؤخذ بلا تقدير.

حين تضع نفسك في موقع الساعي دائمًا، والمبادر دائمًا، والمعتذر دائمًا، والمبرر دائمًا… فأنت — من حيث لا تدري — ترسل رسالة غير مباشرة مفادها: أنا أحتاجك أكثر مما تحتاجني.

وهنا يبدأ الخلل… وهنا تبدأ المسافة.

حين يفقد العطاء توازنه

العطاء في أصله قيمة نبيلة. لكنه حين يصبح بلا حدود وبلا تقدير متبادل، يتحول إلى عادة عند الطرف الآخر.

فالبشر — بطبيعتهم — يقدّرون ما يبذل جهدًا لنيله، ويعتادون ما يأتيهم بسهولة.

عندما تركض خلف شخص، أو وظيفة، أو مكانة، أو حتى فكرة، وتبذل كل طاقتك لتثبت أنك الأحق أو الأجدر، قد تظن أنك بذلك تقترب من الهدف. لكن في أحيان كثيرة، أنت تستهلك صورتك أمامهم دون أن تشعر.

ليس لأن الناس أشرار، بل لأن النفس تميل بطبعها إلى ما يمنحها إحساس الإنجاز. وما يأتي بسهولة لا يمنح هذا الشعور.

بين الحب والاستجداء

الحب لا يُقاس بكمية الرسائل، ولا بعدد المبادرات، ولا بسباق التضحية.

الحب علاقة متوازنة، يسير فيها الطرفان نحو بعضهما بخطى متقاربة.

لكن حين يتحول الحب إلى مطاردة، يفقد روحه.

المطاردة لا تُنتج شغفًا… بل تُنتج اعتيادًا.

والاعتياد أخطر أعداء التقدير.

السعي شيء… والمطاردة شيء آخر.

السعي أن تعمل وتجتهد وتقدم أفضل ما لديك، ثم تترك النتيجة لقيمتك الحقيقية.

أما المطاردة فهي أن تتنازل، وتبرر، وتعتذر، وتلهث خلف اعتراف لا يأتي.

السعي يعلي قدرك.

المطاردة تستهلكه. 

منطق النفس البشرية وقيمة الندرة 

علم النفس الاجتماعي يفسر هذه الظاهرة بمبدأ بسيط:

الندرة تصنع القيمة. 

حين يكون وجودك مضمونًا دائمًا، وحضورك متاحًا بلا شروط، واهتمامك مستمرًا بلا مقابل، يتلاشى عنصر التقدير.

لكن حين تحافظ على كرامتك، وتضع حدودًا، وتعيش حياتك بثقة، يتحول مسارك من مطاردة الآخرين إلى جذبهم. 

حين تغيب قليلًا — لا انتقامًا بل انشغالًا بنفسك — يحدث التحول.

فجأة يبدأ السؤال، ويظهر القلق، ويُعاد حساب المسافات.

الناس لا يطالبون بالمجيء إلا حين يشعرون أن خيار الغياب أصبح ممكنًا.

وهنا تتجلى الحكمة في قول:

"ويطالبونك بالمجيء إذا اختفيت!"

حين لا يشعرون بتعبك

وهنا تأتي اللحظة الأكثر قسوة…

حين تكتشف أن من كنت تركض لأجلهم، لا يشعرون بتعبك، ولا يلمسون ألمك، ولا يتوقفون عند وجعك. 

تمرض… فلا يسألون إلا مجاملة عابرة.

تغيب… فلا يبحثون إلا إذا احتاجوك.

تتألم… فلا يرون في الأمر ما يستحق دقيقة واحدة من قلق حقيقي، ولا عشر خطوات صادقة للاطمئنان علي صحتك.

وهنا عليك أن تعي جيدًا:

ما هي مكانتك في النفوس؟

وما هو الهدف الحقيقي منك؟

هل أنت شخص يُراد لذاته… أم لدوره؟

هل يحبونك… أم يحبون ما تقدمه؟

كم قالوا كلمات كبيرة، ووعودًا عريضة، ومشاعر مزخرفة؟

وكم اكتشفت لاحقًا أنها كانت زيفًا لا يصمد أمام اختبار بسيط من الغياب أو الألم أو حتى المرض؟

أحيانًا ترى بعينك ما يخالف ما سمعته بأذنك.

وهنا لا يعود الإنكار حكمة… بل هروبًا.

في العلاقات

كم من علاقة انتهت لأن أحد الطرفين بذل كل شيء دون أن يترك مساحة للطرف الآخر ليبذل؟

حين يصبح أحدهما مصدر العطاء الوحيد، يختل الميزان. 

والعلاقة التي لا تقوم على تبادل الاحترام والجهد، تتحول إلى عبء.

توقف قليلًا… ليس لتختبر أحدًا، بل لتستعيد نفسك.

ومن يريدك حقًا، سيجد طريقه إليك.

ليس المطلوب أن تُخفي مشاعرك، بل ألا تُبدّدها.

لا تركض خلف أحد، بل امشِ بجواره.

لا تجعل حضورك اعتيادًا مجانيًا، ولا غيابك تهديدًا مصطنعًا، وأترك فرصة أخيرة، فأن لم ترى نتيجة ترضيك، "فليس إلا الفراق عتاب" كما قال أبوفراس.

في العمل والطموح

حتى في المجال المهني، الإفراط في السعي لإرضاء الجميع قد يفقدك احترامهم.

الاحترافية لا تعني التنازل عن الكرامة، والطموح لا يعني التسول الوظيفي.

من يُفرط في إثبات نفسه، يستهلك قيمته.

ومن يثبت بهدوء، يجذب الاحترام.

القوة ليست في أن تُسمع صوتك كل مرة،

بل في أن يعرف الجميع أنك إن صمتَّ… فلصمتك معنى.

الكرامة ليست قسوة… والحسم ليس عداءً

قد يخلط البعض بين الكرامة والبرود، وبين الاعتزاز بالنفس والتكبر.

لكن الفارق واضح:

الكرامة أن تعطي دون أن تُذل نفسك.

البرود أن تمتنع عن العطاء خوفًا من الخسارة.

وإذا كنت مازلت تحرص على شعور من لا يحرص عليك،

فقد حان وقت الحسم. 

ليس انتقامًا… بل وعيًا. 

ليس قطيعةً عشوائية… بل قرارًا ناضجًا.

فالصورة أصبحت مكتملة،

والرؤية أصبحت واضحة،

والإشارات التي تجاهلتها طويلًا لم تعد قابلة للتأويل.

بالمختصر 

الركض الدائم خلف الآخرين لا يقربك منهم، بل يضعك دائمًا خلفهم.

والوعي — كما قال البيت — هو نقطة التحول.

أن تعي أنك لست مضطرًا لمطاردة أحد.

أن تعي أن من يريدك سيخطو إليك.

أن تعي أن الحب الذي يحتاج إلى لهاث مستمر ليس حبًا… بل اختبارًا مرهقًا.

توقف عن الركض خلف من لا يراك.

امشِ في طريقك بثقة. 

اجعل حضورك اختيارًا لا ضرورة، وقربك امتيازًا. 


قيمة الإنسان علم النفس محمد أبوحلاوة حياة نيوز الحياة نيوز
شاهد أيضًا
طقوس الشيعة في رمضان...!!!

طقوس الشيعة في رمضان...!!!

22 فبراير 2026
يحيى الشربيني يكتب: جيل زد ووسائل التواصل الاجتماعي (2)

يحيى الشربيني يكتب: جيل زد ووسائل التواصل الاجتماعي (2)

10 فبراير 2026
الحسين عبد الرازق يكتب: إعلانات ماسبيرو زمان!

الحسين عبد الرازق يكتب: إعلانات ماسبيرو زمان!

10 فبراير 2026
يحيى الشربيني يكتب: المشروع الأمريكي لتدمير الشعوب

يحيى الشربيني يكتب: المشروع الأمريكي لتدمير الشعوب

29 يناير 2026
سماح صادق قناوي تكتب: حين يختار القلب النجاة

سماح صادق قناوي تكتب: حين يختار القلب النجاة

25 يناير 2026
لقاء الأقوياء :كيف كسر ترامب بروتوكولاتة الهجومية تقديراً للسيسي

لقاء الأقوياء :كيف كسر ترامب بروتوكولاتة الهجومية تقديراً للسيسي

21 يناير 2026
يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

يحيى الشربيني يكتب: الوجه الأخر لجيل زد ”1”

20 يناير 2026
الحسين عبدالرازق يكتب: أمريكا والإخوان!

الحسين عبدالرازق يكتب: أمريكا والإخوان!

15 يناير 2026
الإعلامي خالد زكريا يكتب: قبل فوات الآوان

الإعلامي خالد زكريا يكتب: قبل فوات الآوان

07 يناير 2026
فاطمة أشرف فخري تكتب: العراق فنزويلا.. الراحل صدام والمعتقل مادورو

فاطمة أشرف فخري تكتب: العراق فنزويلا.. الراحل صدام والمعتقل مادورو

03 يناير 2026
سماح صادق قناوي تكتب: حين تعجز اللغة

سماح صادق قناوي تكتب: حين تعجز اللغة

31 ديسمبر 2025
الحسين عبد الرازق يكتب: أوقفوا هذا الإسفاف!

الحسين عبد الرازق يكتب: أوقفوا هذا الإسفاف!

31 ديسمبر 2025
يحيى الشربيني يكتب: اعتراف سياسي أم مقامرة استراتيجية؟ إسرائيل تعيد رسم الخرائط خارج القانون الدولي

يحيى الشربيني يكتب: اعتراف سياسي أم مقامرة استراتيجية؟ إسرائيل تعيد رسم الخرائط خارج القانون الدولي

28 ديسمبر 2025
رقيه فريد تكتب: حين يأتي الاهتمام عكس الاتجاه

رقيه فريد تكتب: حين يأتي الاهتمام عكس الاتجاه

25 ديسمبر 2025
سوزان حسين تكتب: كيف تتخطى الألم النفسي

سوزان حسين تكتب: كيف تتخطى الألم النفسي

25 ديسمبر 2025
الحسين عبدالرازق يكتب:نرفض هذه الإعلانات!

الحسين عبدالرازق يكتب:نرفض هذه الإعلانات!

24 ديسمبر 2025
سماح صادق قناوي تكتب: الصوت المشنوق

سماح صادق قناوي تكتب: الصوت المشنوق

21 ديسمبر 2025
الحسين عبدالرازق يكتب: المترو في بلدنا!

الحسين عبدالرازق يكتب: المترو في بلدنا!

18 ديسمبر 2025
الإعلامي خالد زكريا يكتب: التقدم لايبني بالشعارات بل بإمتلاك الشجاعة في تغيير العادات الخاطئة

الإعلامي خالد زكريا يكتب: التقدم لايبني بالشعارات بل بإمتلاك الشجاعة في تغيير العادات الخاطئة

18 ديسمبر 2025
بشري غالي…نموذج مشرف يجمع بين الكفاءة المهنية والخلق الرفيع

بشري غالي…نموذج مشرف يجمع بين الكفاءة المهنية والخلق الرفيع

14 ديسمبر 2025
التعليقات