25 ابريل 2026

في تصعيد خطير يضرب العمق المالي، استيقظت العاصمة باماكو ومدن رئيسية أخرى صباح اليوم السبت، على وقع انفجارات واشتباكات عنيفة هزت أركان البلاد، حيث أعلن الجيش المالي تعرض عدة مواقع عسكرية لهجمات منسقة شنتها جماعات إرهابية مسلحة "مجهولة الهوية"، مما أثار حالة من الذعر والترقب في الشارع المالي والإقليمي، وسط تضارب الأنباء حول حجم الخسائر البشرية والمادية في ظل استمرار المواجهات المسلحة حتى لحظة كتابة هذه السطور.
وأكدت المصادر الميدانية وشهود العيان من قلب العاصمة باماكو، أن دوي الأسلحة الثقيلة والبنادق الآلية لم ينقطع في محيط مطار "موديبو كيتا" الدولي، الذي يعد الشريان الجوي الأهم للبلاد ويبعد نحو 15 كيلومتراً عن وسط المدينة، فيما شوهدت المروحيات العسكرية وهي تحلق بكثافة فوق الضواحي القريبة لتمشيط المنطقة وملاحقة العناصر المهاجمة، ويأتي استهداف المطار نظراً لمجاورته لقاعدة جوية استراتيجية يستخدمها سلاح الجو المالي، مما يشير إلى رغبة الجماعات المسلحة في شل حركة الطيران العسكري والمدني على حد سواء.
ولم تقتصر الهجمات على المطار فحسب، بل امتدت أصوات الرصاص لتهز مدينة "كاتي" القريبة من العاصمة، وهي المنطقة التي تكتسب أهمية سياسية قصوى كونها تضم مقر إقامة رئيس المجلس العسكري الحاكم، الجنرال أسيمي غويتا، كما أفادت التقارير الواردة من الشمال والوسط بسماع إطلاق نار كثيف في مدينة "غاو" كبرى مدن الشمال، ومدينة "سيفاري" بوسط البلاد، في هجوم يبدو أنه صُمم ليكون متزامناً بهدف تشتيت جهود القوات المسطحة المالية وإظهار ضعف القبضة الأمنية للنظام العسكري الحاكم.
وتأتي هذه التطورات الدامية في وقت تعيش فيه مالي على صفيح ساخن منذ أكثر من عقد من الزمان، جراء النزاعات المسلحة وأعمال العنف التي تقودها جماعات مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" الإرهابيين، إلا أن اللافت في هذا الهجوم هو وصوله إلى قلب العاصمة والمناطق السيادية، مما يضع المجلس العسكري الذي تولى السلطة عبر انقلابين في 2020 و2021 في مأزق حقيقي أمام الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي، خاصة بعد أن ابتعد النظام الحالي عن حلفائه التقليديين وفي مقدمتهم فرنسا والشركاء الغربيين، ميمماً وجهه شطر روسيا لتعزيز التعاون العسكري والسياسي.
وعلى الصعيد السياسي، يأتي هذا التصعيد الميداني متزامناً مع حالة من الانغلاق السياسي داخل مالي، حيث أحكم النظام العسكري قبضته على مفاصل الدولة، متخذاً إجراءات قمعية ضد الصحافة والأصوات المعارضة، وصولاً إلى حل الأحزاب والمنظمات السياسية، ورغم الوعود السابقة بتسليم السلطة للمدنيين في مارس 2024، إلا أن المجلس العسكري لم يكتفِ بنكث وعوده، بل قام في يوليو 2025 بتثبيت الجنرال غويتا في الرئاسة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد "قدر ما يلزم" دون إجراء انتخابات، وهو ما يراه مراقبون وقوداً إضافياً لحالة عدم الاستقرار التي تستغلها الجماعات المتطرفة للتمدد في ظل غياب التوافق الوطني.
الوضع في مالي الآن يقف عند مفترق طرق، فبينما تحاول القوات الروسية التي حلت محل مجموعة "فاغنر" تحت إشراف وزارة الدفاع الروسية منذ يونيو 2025 دعم الجيش المالي، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة هذا التحالف الجديد على كبح جماح الإرهاب الذي بات يطرق أبواب القصور الرئاسية والمطارات الدولية، في ظل مشهد ضبابي ينذر بمزيد من التصعيد في منطقة الساحل الأفريقي المضطربة أصلاً.