24 أغسطس 2025
الإعلام ليس مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، وحين نقترب من ماسبيرو – ذلك الصرح الإعلامي العريق – ندرك أن بين جدرانه نماذج تستحق أن تُسطر أسماؤها بأحرف من نور،
لأنها آمنت بأن الكلمة مسؤولية، وأن الصورة قد تغيّر وعي أمة، وأن الميكروفون أمانة لا ينبغي أن يُستغل إلا في الخير والبناء.
وخلال مسيرتي المهنية، التقيت بالعديد من الزملاء من الإذاعة والتلفزيون،
ممن جسدوا بأدائهم وحرصهم المعنى الحقيقي للالتزام الوطني.
هؤلاء لم يتعاملوا مع الإعلام باعتباره وظيفة عابرة أو فرصة للشهرة،
بل أدركوا أن الإعلامي مرآة المجتمع ولسان حال الناس، وأن الوطن يستحق منهم الجهد الصادق والعمل الدؤوب.
أتوقف أولًا عند صوت إذاعي متميز ارتبط به جمهور الدلتا لسنوات، وهو شريف غانم المذيع بإذاعة وسط الدلتا، وصاحب برنامج "صباح الخير يا دلتا النيل".
هذا الصوت لم يكن مجرد ناقل للأخبار أو قارئ لنصوص مكتوبة،
بل كان صاحب رؤية وحرص حقيقي على مناقشة القضايا بموضوعية ووعي.
يسعى دائمًا إلى إبراز الإيجابيات لتكون قدوة،
وفي الوقت ذاته لا يغفل عن التنبيه إلى السلبيات حتى لا تتحول إلى ظواهر تهدد المجتمع.
لقد أدرك أن الإعلام بلا موضوعية يصبح دعاية، وبلا نقد بناء يتحول إلى صمت غير مبرر.
ثم تأتي نهى مروان، الإعلامية بالقناة الثانية، التي قدمت نموذجًا مختلفًا يقوم على الإنصات لما يشغل الرأي العام، ونقله إلى الشاشة بوعي ومسؤولية.
لم تكن تهتم فقط بتغطية الأحداث، بل كانت تحرص على أن تضع المواطن أمام المعلومة الواضحة، وأن تسلط الضوء على ما يمس حياته اليومية،
وهذا لتجعل من شاشتها جسرًا يربط بين هموم الناس واهتمامات الدولة.
أما الإعلامية هبة الأخضر بالقناة الثالثة، فقد جعلت من الإعلام رسالة تنموية في المقام الأول،
فسعت من خلال برامجها إلى النهوض بالصناعة المصرية، وتوجيه طاقات الشباب نحو مجالات العمل والإنتاج.
في وقت يظن فيه البعض أن دور الإعلام يقتصر على الأخبار والبرامج الترفيهية،
كانت هبة الأخضر تؤكد أن الإعلام يمكن أن يكون قوة فاعلة في دعم الاقتصاد الوطني وتحفيز العقول الشابة.
ويبقى طارق الغريب، الإعلامي الكبير، علامة بارزة في مشوار ماسبيرو.
حضوره الطاغي وصدقه مع الجمهور جعلاه من الأسماء التي يصعب أن تُنسى. قدّم العديد من البرامج، وكان من أبرزها "أخبار القاهرة"،
حيث امتلك القدرة على جذب المتلقي منذ اللحظة الأولى، ليس فقط بأسلوبه الراقي، بل أيضًا بمصداقيته التي كانت جواز عبوره إلى قلوب الناس.
كان يدرك أن الإعلامي الناجح لا يقاس بعدد برامجه أو سنوات عمله، بل بما يتركه من أثر وبصمة حقيقية في وعي جمهوره.
إن استحضار هذه النماذج المشرفة من ماسبيرو ليس مجرد استدعاء لذكريات أو مواقف مهنية، بل هو تذكير بأهمية أن يظل الإعلام في خدمة الوطن.
فحين يتمسك الإعلامي بدوره كحارس للوعي، يصبح الإعلام قوة ناعمة تصنع الفارق، وتواجه التحديات، وتبني جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويبقى من الضروري أن ندرك أن مدرسة ماسبيرو لم تكن مجرد مؤسسة إعلامية،
بل مصنعًا حقيقيًا للكوادر التي حملت مشعل التنوير والتثقيف لعقود طويلة.
تلك المدرسة قدمت نماذج لا تزال شاهدة على أن الإعلام حين يتجرد من المصالح الضيقة، ويتسلح بالمهنية، يمكن أن يصنع المستحيل.
واليوم، ونحن أمام تحديات لا تقل خطورة عما مضى، يصبح لزامًا علينا أن نعيد إحياء هذا الإرث العريق،
وأن ندعم الوجوه الجديدة بنفس الروح التي ميزت الرواد.
فالمستقبل يحتاج إلى إعلام مسؤول، يحافظ على الثوابت الوطنية، ويمنح المواطن وعيًا حقيقيًا، لا وعود.