تشهد إيران تصعيداً غير مسبوق بعدما أقدمت السلطات على حجب الإنترنت وعزل البلاد عن العالم الخارجي، في محاولة لاحتواء موجة احتجاجات متصاعدة اندلعت بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وتحولت سريعاً إلى مواجهات عنيفة وهتافات مناهضة للنظام، وسط حرائق في الشوارع وسقوط قتلى وجرحى وقلق دولي متزايد.
09 يناير 2026

دخلت إيران، فجر اليوم الجمعة، مرحلة جديدة من التصعيد الأمني والسياسي، بعدما أقدمت السلطات على قطع خدمة الإنترنت على نطاق واسع، في محاولة لاحتواء موجة احتجاجات متصاعدة تشهدها عدة مدن إيرانية، على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة وتدهور الأوضاع المعيشية، وسط مشاهد غير مسبوقة لحرائق تلتهم المباني والمركبات واشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن.
وأكدت مصادر إعلامية ومنظمات حقوقية أن إيران انقطعت إلى حد كبير عن العالم الخارجي، مع تعذر التواصل الهاتفي وتوقف خدمات الإنترنت، ما أدى إلى تراجع كبير في تدفق المعلومات، في وقت انتشرت فيه مقاطع مصورة تُظهر شوارع تحولت إلى ساحات مواجهة، وألسنة لهب تتصاعد من حافلات وسيارات ودراجات نارية، إضافة إلى حرائق في بنوك ومحطات مترو في عدد من المدن.
ووثقت منظمات حقوق الإنسان عشرات القتلى بين المتظاهرين خلال الأسبوعين الماضيين، بينما أقر الإعلام الرسمي الإيراني بسقوط قتلى من أفراد الشرطة خلال الاشتباكات الليلية، بحسب ما نقلته وكالة أنباء “تسنيم” شبه الرسمية. وفي الوقت الذي بث فيه التلفزيون الإيراني مشاهد للحرائق والاضطرابات، شددت السلطات من لهجتها تجاه المحتجين، متهمة إياهم بتنفيذ “أجندات خارجية”.
الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، ألقى خطاباً متلفزاً أكد فيه أن النظام “لن يتراجع أمام المخربين”، متهماً المحتجين بالعمل لصالح جماعات المعارضة في الخارج والولايات المتحدة، ومعتبراً أن الجمهورية الإسلامية “قامت على دماء مئات الآلاف، ولن تسمح بزعزعة أركانها”. وفي تصعيد خطير، هدد مدعٍ عام بتنفيذ أحكام إعدام بحق من يثبت تورطهم في أعمال تخريب أو اعتداء على الممتلكات العامة أو الاشتباك مع قوات الأمن.
وعلى الرغم من أن هذه الاضطرابات لم تحشد حتى الآن قطاعات واسعة من المجتمع كما حدث في موجات احتجاجية سابقة، فإن مراقبين يرون أن السلطات تبدو أكثر هشاشة، في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق وتداعيات الحرب التي اندلعت العام الماضي مع إسرائيل والولايات المتحدة، وما خلفته من ضغوط داخلية متزايدة.
وانطلقت شرارة الاحتجاجات لأسباب اقتصادية بحتة، بعد أن فقد الريال الإيراني نحو نصف قيمته أمام الدولار خلال العام الماضي، وبلوغ معدلات التضخم أكثر من 40% في ديسمبر الماضي، الأمر الذي أثقل كاهل المواطنين ورفع معدلات الفقر. غير أن المطالب المعيشية سرعان ما تحولت إلى هتافات سياسية مباشرة ضد النظام، في تطور أقلق السلطات ودفعها إلى تشديد قبضتها الأمنية.
وأدى انقطاع الإنترنت إلى شلل شبه كامل في الاتصالات، كما انعكس على حركة الطيران، إذ أظهر الموقع الإلكتروني لمطارات دبي إلغاء ما لا يقل عن 17 رحلة جوية بين دبي ومدن إيرانية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات.
وبحسب وسائل إعلام رسمية، اندلعت حرائق في حافلات ومحطات مترو وبنوك، واتهمت السلطات منظمة “مجاهدي خلق” المعارضة، التي انشقت عن النظام بعد ثورة 1979، بالوقوف وراء أعمال العنف. وقال صحفي في التلفزيون الرسمي، أثناء تغطيته من شارع شريعتي في مدينة رشت المطلة على بحر قزوين، إن “المنطقة تبدو كأنها ساحة حرب، حيث دُمرت جميع المتاجر”.
وفي العاصمة طهران، أظهرت مقاطع فيديو، تحققت وكالة رويترز من صحتها، مئات الأشخاص وهم يشاركون في مسيرات احتجاجية، مرددين شعارات من بينها “الموت لخامنئي”، إلى جانب هتافات أخرى تمجد نظام الشاه الذي أطيح به قبل أكثر من أربعة عقود. كما أفادت منظمة “هنجاو” الكردية لحقوق الإنسان بإصابة عدة أشخاص برصاص قوات الأمن خلال تفريق مسيرة خرجت بعد صلاة الجمعة في زاهدان، ذات الغالبية من أقلية البلوش.
وحاولت السلطات اعتماد نهج مزدوج، إذ أقرت بـ”مشروعية” الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته نددت بما وصفته بـ”أعمال الشغب والعنف”، وشددت الإجراءات الأمنية في المدن الكبرى. وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد دعا الأسبوع الماضي إلى التعامل مع المحتجين بـ”الرحمة والمسؤولية”، وأعلنت الحكومة عن حوافز مالية محدودة للتخفيف من آثار التضخم، إلا أن هذه الخطوات لم تنجح في تهدئة الشارع.
على صعيد المعارضة، دعت فصائل إيرانية في الخارج، رغم انقسامها، إلى مواصلة الاحتجاجات. وقال رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن “أنظار العالم تتجه إلى الإيرانيين”، داعياً إياهم للنزول إلى الشوارع. غير أن حجم التأييد الشعبي داخل إيران لهذه الدعوات لا يزال محل جدل واسع.
وفيما حذر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب طهران الأسبوع الماضي، وألمح إلى إمكانية دعم المحتجين، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن احتمال التدخل العسكري الأجنبي “ضئيل للغاية”، معلناً زيارة مرتقبة لوزير خارجية سلطنة عمان، التي تلعب دوراً تقليدياً في الوساطة بين إيران والغرب.
وأعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن “انزعاجه الشديد” من التقارير التي تتحدث عن سقوط ضحايا واستخدام العنف وانقطاع الاتصالات، محذراً من تفاقم الأزمة الإنسانية.
وتأتي هذه الاضطرابات في سياق تاريخ طويل من الاحتجاجات الشعبية في إيران، شمل احتجاجات الطلاب عام 1999، وأحداث 2009 عقب الانتخابات الرئاسية، واحتجاجات 2019 الاقتصادية، ثم احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، التي هزت أركان النظام رغم قمعها بعنف. ويبدو أن المشهد الإيراني يقف اليوم عند مفترق طرق جديد، في ظل أزمة مركبة تجمع بين الغضب الشعبي والضغط الاقتصادي والتصعيد الأمني.