05 يناير 2026

دخلت موجة الاحتجاجات الشعبية في إيران أسبوعها الثاني، وسط تصعيد ميداني ملحوظ في العاصمة طهران وعدد من المحافظات، بالتزامن مع تشديد السلطات القيود على خدمة الإنترنت، في محاولة لاحتواء اتساع رقعة التحركات ومنع تنسيقها. وشهدت الساعات الماضية عودة التظاهرات إلى قلب العاصمة، ولا سيما في محيط البازار الكبير، مع امتداد الحراك إلى الجامعات والأحياء السكنية، وسط حصيلة قتلى واعتقالات آخذة في الارتفاع، بحسب تقارير رسمية وأخرى صادرة عن منظمات حقوقية.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة، تجمعات احتجاجية في مناطق مركزية من طهران عقب انتهاء عطلة رسمية أعلنتها السلطات، حيث أفاد ناشطون بأن المحتجين تمركزوا قرب البازار الكبير ومناطق «تشارسو» ومجمع «علاء الدين» التجاري، إضافة إلى شارع «جمهوري» وتقاطع «إسطنبول» وشوارع «سبهسالار» و«سعدي» و«حافظ». وبحسب المقاطع نفسها، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين أمام مجمع «علاء الدين»، فيما أغلقت طرق فرعية عدة في محيط شارع «جمهوري» مع انتشار أمني كثيف لمنع تمدد التجمعات.
الجامعات تدخل على خط الحراك
ولم يقتصر التصعيد على الشارع، إذ امتدت الاحتجاجات إلى الجامعات، حيث تداولت منصات التواصل مقاطع مصورة قيل إنها لطلاب جامعة «تربيت مدرس» في طهران وهم يرددون شعارات سياسية حادة، في مؤشر على دخول شرائح طلابية بقوة في مسار الاحتجاجات. وفي تطور لافت، أعلنت وزارة العلوم السماح لعدد من جامعات طهران بعقد الدروس افتراضياً حتى نهاية الفصل الدراسي، مبررة القرار ببرودة الطقس ومشكلات «عدم توازن الطاقة»، إلا أن ناشطين ربطوا الخطوة باعتبارات أمنية تهدف إلى الحد من تجمع الطلبة.
احتجاجات ليلية وتصاعد الشعارات
ومع حلول الليل، تواصلت الاحتجاجات لليلة السابعة على التوالي في أحياء متفرقة من طهران ومدن أخرى، حيث رُددت شعارات مناهضة للنظام، ووقعت اشتباكات في بعض المناطق بين المحتجين وقوات الأمن. وشملت التحركات الليلية أحياء نازيآباد ونارمك وطهرانبارس ونظامآباد، إضافة إلى مدن مشهد وزنجان وفرديس وكرج وشيراز ورشت وقزوين وهمدان وياسوج، بحسب ما أفاد ناشطون.
وأغلق محتجون عدداً من الشوارع وأشعلوا نيراناً في وسط الطرق، مرددين شعارات من بينها «الموت للديكتاتور» و«هذا العام عام الدم»، في مشاهد تعكس ارتفاع سقف المطالب وتحول الاحتجاجات إلى طابع سياسي أكثر وضوحاً، بعد أن بدأت على خلفية مطالب اقتصادية.
أرقام متباينة للضحايا والاعتقالات
وفي ظل صعوبة التحقق المستقل بسبب القيود الإعلامية، تتباين الأرقام حول حصيلة الضحايا. فبينما تحدثت تقارير رسمية عن مقتل 12 شخصاً على الأقل، بينهم عناصر أمن، قالت منظمات حقوقية إن عدد القتلى أعلى، مشيرة إلى مقتل ما لا يقل عن 16 إلى 17 شخصاً خلال أسبوع من الاضطرابات، إضافة إلى مئات المعتقلين. وذكرت منظمات حقوقية أن أعنف الاشتباكات وقعت في محافظات غربي البلاد، ولا سيما إيلام، حيث سُجلت مواجهات دامية في مناطق ذات أغلبية كردية.
الإنترنت تحت القيود
وتزامناً مع اتساع الاحتجاجات، شددت السلطات القيود الرقمية بشكل ملحوظ. وتحدثت وسائل إعلام إيرانية عن اضطرابات واسعة في الشبكة، شملت بطئاً شديداً وانقطاعات إقليمية وتعطلاً جزئياً لخدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN). وأشارت تقارير تقنية إلى انخفاض حركة البيانات بنحو 35 في المائة، وسط مخاوف من انقطاع شبه كامل للإنترنت الدولي، في خطوة يرى مراقبون أنها تهدف إلى الحد من التنسيق بين المحتجين ونقل الصور والفيديوهات.
خلفية اقتصادية ضاغطة
اقتصادياً، جاءت الاحتجاجات في ظل قرارات حكومية مثيرة للجدل، أبرزها إنهاء العمل بسعر الصرف التفضيلي للسلع الأساسية، والانتقال إلى آلية أقرب لسعر السوق، ما أثار مخاوف من موجة تضخمية جديدة. وفي الأسواق، اقترب سعر الدولار من 137 ألف تومان، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية وزاد من حدة الغضب الشعبي.
خطاب رسمي وتحذيرات من التدويل
سياسياً، تحاول السلطات الموازنة بين الإقرار بالمطالب المعيشية وتشديد القبضة الأمنية. وأكد مسؤولون حكوميون أن الاحتجاج السلمي حق مشروع، لكنهم حذروا مما وصفوه بـ«أعمال الشغب» واستغلال خارجي للتحركات. في المقابل، شددت قوى إصلاحية على أن الاحتجاجات ذات جذور داخلية، محذرة من أن أي تدخل خارجي قد يؤدي إلى عسكرة المشهد وتعقيد الأزمة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إيران واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اقتصاد مثقل بالعقوبات، وتراجع حاد في قيمة العملة، وأزمات خدمية متراكمة. ورغم أن الاحتجاجات الحالية لم تصل بعد إلى مستوى حراك 2022، فإن استمرارها واتساعها الجغرافي يجعلها اختباراً بالغ الصعوبة للسلطات، في ظل بيئة داخلية وخارجية شديدة التعقيد.