26 يونيو 2026

في تحدٍ صارخ وعلنّي لكل المواثيق الدولية والاتفاقات الأممية، واصلت آلة البطش الإسرائيلية ممارساتها الإجرامية الممنهجة، ضاربة بعرض الحائط التفاهمات الإقليمية والدولية الرامية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، لتبرهن المؤشرات الميدانية والتقارير الطبية الموثقة على مدار الساعات الماضية أن التهدئة المقررة لم تكن بنظر قادة الاحتلال سوى نافذة تكتيكية لترتيب الأوراق وإعادة تدوير المأساة، وسط صمت دولي مريب يغض الطرف عن مجازر يومية وحرب إبادة متكاملة الأركان تلتهم الأخضر واليابس وتستهدف المدنيين العزل والأطفال والنساء في شتى بقاع الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتشير الإحصاءات الرسمية المحدثة، والتي خرجت من قلب المأساة لترسم ملامح كابوس إنساني غير مسبوق، إلى أن إجمالي عدد الشهداء الذين ارتقوا منذ بدء هذه المحرقة النكراء في السابع من أكتوبر من العام قبل الماضي قد قفز ليصل إلى رقم مفزع تخطى عتبة ثلاثة وسبعين ألفاً وواحد وأربعين شهيداً، في حين زاد عدد الجرحى والمصابين والمشوهين جراء هذا القصف الهمجي عن مائة وثلاثة وسبعين ألفاً وأربعمائة واثنين مصاباً، وهي الأرقام التي لا تشمل آلاف المفقودين القابعين تحت تلال من الركام وأنقاض البنايات التي سويت بالأرض والذين عجزت طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن انتشالهم نتيجة النقص الحاد في المعدات وبسبب النيران الإسرائيلية المتربصة بكل من يحاول الاقتراب من مناطق الاستهداف الحيوية.
وقد تجسدت الانتهاكات الصارخة لوقف إطلاق النار في موجة عاتية ومتلاحقة من الغارات الجوية العنيفة التي شنتها المقاتلات الحربية والمسيرات الانتحارية التابعة لجيش الاحتلال، مستهدفة بشكل مباشر وفي خروقات وتجاوزات يومية لا تتوقف خيام النازحين المصنوعة من القماش والنايلون في مناطق خان يونس ورفح وجنوب ووسط القطاع، والعديد من البؤر السكنية ومراكز الإيواء التي أعلنها الاحتلال نفسه في وقت سابق كمناطق آمنة وإنسانية، حيث وثقت المصادر المحلية سقوط أكثر من ألف وتسعة وعشرين شهيداً وإصابة ما يزيد على ثلاثة آلاف ومائتين وأربعة وثمانين مدنياً منذ الإعلان الأخير عن دخول الهدنة ووقف إطلاق النار حيز التنفيذ في الحادي عشر من أكتوبر الماضي، وهو ما يثبت بالدليل القاطع أن الاحتلال يتعمد إفراغ الهدنة من أي محتوى حقيقي وتحويلها إلى أداة للمناورة وتكريس سياسة الترويع والحصار الخانق ضد مواطنين لا يملكون من مقومات الحياة الأساسية سوى بقايا كرامة وعزم على الصمود فوق تراب أرضهم الوطنية.
وتشابكت هذه الهجمات والجرائم الجوية مع قصف مدفعي عشوائي متواصل ومركز تشنه الآليات والمدافع الثقيلة الرابضة على طول الخط الفاصل وشرق خان يونس ورفح، بالتزامن مع قيام جرافات وجيش الاحتلال بعمليات نسف وتفجير واسعة النطاق لمربعات سكنية كاملة، فضلاً عن قيام الزوارق والبارجات الحربية بإطلاق النيران والقذائف الصاروخية الثقيلة قبالة شواطئ رفح ووسط القطاع لملاحقة الصيادين الفلسطينيين في قوت يومهم ومنعهم من كسب عيشهم، توازياً مع حملات اعتقال واسعة النطاق طالت المئات من المدنيين العزل من خلال حواجز الموت ونقاط التفتيش التي تقطع أوصال غزة، حيث تم رصد وتوثيق اعتقالات ممنهجة استهدفت الكوادر الطبية الباسلة والمسعفين وسائقي سيارات الإسعاف التابعين لجمعية الهلال الأحمر والطواقم الإغاثية الدولية، في محاولة واضحة وخبثة من قبل سلطات الاحتلال لتقويض وإفشال المنظومة الصحية والإنسانية المتداعية بالأساس والعمل على خنق أي أمل في إغاثة الجرحى أو انتشال الجثامين المتناثرة في الطرقات والشوارع العامة التي يسيطر عليها رصاص القناصة والآليات العسكرية المتوغلة.
ولم يكن المشهد الدموي في الضفة الغربية المحتلة ومدينة القدس الشريفة بعيداً عن تفاصيل هذا المخطط الإجرامي الإسرائيلي الشامل، حيث تحولت المدن والمخيمات والقرى في الضفة إلى مسرح لاقتحامات يومية عسكرية دموية وشديدة الشراسة تنفذها قوات خاصة من جيش الاحتلال الإسرائيلي مدعومة بعشرات الآليات العسكرية المصفحة، لتمارس هوايتها المعتادة في القتل والترهيب وإطلاق الرصاص الحي والمعدني بكثافة وصورة عشوائية داخل الأزقة والمناطق المكتظة بالسكان، وهو ما أفرز مئات الشهداء والآلاف من الجرحى والمصابين خلال الأشهر القليلة الماضية، والذين كان من بينهم أطفال رضع ونساء وشيوخ عزل، إلى جانب تصاعد جنوني وغير مسبوق في حملات الاعتقال العشوائية والتعسفية التي بلغت أرقاماً قياسية وطالت الآلاف من الشباب والنساء والأسرى المحررين، لتتحول سجون ومعسكرات الاعتقال الإسرائيلية إلى مقابر حية يتعرض فيها المعتقلون الفلسطينيون لأبشع صنوف التنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية المعترف بها دولياً.