لم يكن المسجد الأقصى المبارك يوماً مجرد بنيان أثري يرتفع فوق هضبة القدس، بل هو قنبلة موقوتة يتربص بها الاحتلال، وعصب العزّة والكرامة في وجدان ملايين المسلمين عبر العالم. وعلى مدار عقود من البطش، وتحديداً منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم، يخوض أولى القبلتين حرب وجود شرسة ومُمنهجة لا تتوقف لحظة واحدة، تستهدف اقتلاعه من جذوره العربية والإسلامية وفرض واقع يهودي جديد بقوة السلاح.
نفتح في هذا السطور الملتهبة ملف المأساة الكامل، ونكشف بالتواريخ والأرقام حجم الدمار، والجهة المشرفة حقيقةً على إدارة المسجد، وحجم الخسائر المادية والبشرية التي شربت أرض الأقصى من دمائها.
أولاً: لمن تعود «السيادة والتابعية» الحقيقية للأقصى؟
تُحاول سلطات الاحتلال الترويج لفرض سيادتها بالقوة على الحرم الشريف، غير أن الحقيقة التاريخية والقانونية الثابتة تُؤكد الآتي:
- الوصاية الأردنية وإدارة الأوقاف:
تخضع إدارة المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونماً — والتي تشمل الجامع القبلي، قبة الصخرة، المصلى المرواني، والساحات والأروقة — حصرياً لـ إدارة أوقاف القدس والشؤون الإسلامية التابعة لـ وزارة الأوقاف الأردنية، وذلك بموجب اتفاقيات تاريخية ورسمية تُجسّد "الوضع القائم" المتفق عليه دولياً.
- السيادة الإسلامية الخالصة:
تُقر المؤسسات الدولية الكبرى بأن الحرم الشريف هو موقع إسلامي خالص للعبادة لا يشاركه فيه أحد، وأن جميع إجراءات الاحتلال لبسط النفوذ عليه أو حفر الأنفاق أسفله هي إجراءات باطلة وغير شرعية.
- البلطجة الأمنية:
رغم هذه الحقوق الثابتة، تفرض شرطة الاحتلال اقتحاماتها اليومية بالقوة، وتنتزع مفاتيح البوابات أحياناً، وتُعيق عمل حراس الأقصى وموظفي الأوقاف بالاعتقال والإبعاد لفرض "سيادة أمر واقع".
ثانياً: السجل الأسود.. أبرز المحطات والانتهاكات الكبرى (1948 - 2026)
سجل الاحتلال حافل بالمجازر والاعتداءات الصارخة التي طالت الحرم القدسي الشريف منذ عقود:
- 1967 (احتلال القدس وحرق حي المغاربة): مع احتلال القدس الشرقية، دمرت قوات الاحتلال حي المغاربة التاريخي بالكامل الملاصق للمسجد الأقصى، واستولت على حائط البراق وتحويله إلى ساحة لمصلين اليهود.
- 1969 (الجريمة الكبرى.. حريق الأقصى): أقدم المتطرف "دانيس مايكل روهان" على إضرام النار عمداً داخل الجامع القبلي، ما أدى لالتحام النيران بـ منبر صلاح الدين الأيوبي التاريخي وتدميره بالكامل، وتفحم أجزاء واسعة من السقف والمحراب.
- 1990 (مجزرة الأقصى الأولى): فتحت قوات الاحتلال النار العشوائي على المصلين والمرابطين لمنع المتطرفين من وضع حجر الأساس لـ "المعبد" المزعوم، مما أسفر عن استشهاد 21 فلسطينياً وسقوط مئات الجرحى.
- 1996 (هبة النفق): تسبب افتتاح نفق أسفل السور الغربي للمسجد في اندلاع مواجهات عارمة، أدت إلى استشهاد نحو 63 فلسطينياً في مختلف الأراضي المحتلة.
- 2000 (اقتحام شارون والانتفاضة الثانية): أدى تدنيس شارون لساحات الأقصى رفقة ألف جندي مدجج بالسلاح إلى اندلاع انتفاضة الأقصى التي استمرت سنوات.
- 2017 (مأساة البوابات الإلكترونية): حاول الاحتلال نصَب بوابات تفتيش إلكترونية وكاميرات عند مداخل الأقصى، لكن الموقف الشعبي المقدسي الصلب أجبر الاحتلال على إزالتها وتفكيكها.
- 2021 (معركة سيف القدس): أدى اقتحام قوات الاحتلال للمصلى القبلي والاعتداء على المصلين بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز في شهر رمضان إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة.
- 2023 - 2026 (مخططات التلمود والنفخ في البوق): تحولت الاقتحامات إلى واقع يومي بقيادة وزراء اليمين المتطرف، حيث شهدت الأعوام الأخيرة أداء طقوس تلمودية كاملة كـ "السجود الملحمي" والنفخ في البوق داخل الساحات، وسط حماية مشددة من قوات الاحتلال.
ثالثاً: فاتورة الحساب.. الخسائر البشرية والمادية بالحرث والنسل
تتحدث الأرقام عن حجم الفاتورة الباهظة التي دفعها الأقصى وأهله:
- الخسائر البشرية:
- الشهداء: ارتقى داخل باحات الأقصى وعلى أبوابه أكثر من 120 شهيداً في مجازر وإطلاق نار مباشر.
- الجرحى: تجاوز عدد المصابين بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والصوت داخل الحرم 15,000 مصاب.
- الإبعاد والاعتقال: صدر أكثر من 8,000 قرار إبعاد بحق المرابطين والمرابطات وحراس الأقصى لمنعهم من دخول المسجد، فضلاً عن اعتقال الآلاف.
- الخسائر المادية والتراثية:
- تدمير الآثار: خسارة منبر صلاح الدين الأيوبي الفريد ونوافذ زجاجية أثرية ملونة يعود تاريخها لقرون مضت، جراء إطلاق القنابل الحارقة وتكسيرها عمداً خلال الاقتحامات.
- شبكة الأنفاق: حفر الاحتلال أكثر من 60 نفقاً وحفرية تحت أساسات المسجد وفي محيطه، ما أدى لتشقق الجدران الجنوبية وتخلخل تربة المصلى المرواني والقصور الأموية.
- إعاقة الترميم: يمنع الاحتلال دخول أدوات الصيانة ومواد البناء، ما تسبب في تسرب مياه الأمطار وتضرر السقف الرصاصي والزخارف الإسلامية القديمة.
رابعاً: مخطط التقسيم وتفجير الصراع الديني
تتجاوز الاعتداءات حدود التخريب المادي لتستهدف قلب وجود المسجد عبر:
- التقسيم الزماني والمكاني: السعي لتخصيص ساعات محددة صباحاً ومساءً لليهود فقط مع تفريغ المسجد من المسلمين (تقسيم زماني)، واقتطاع المنطقة الشرقية ومصلى باب الرحمة لتحويله إلى كنس دائمة (تقسيم مكاني).
- شطب الدور العربي والإسلامي: محاصرة عمل الأوقاف الأردنية وتحويل حراس الأقصى إلى مجرد معتقلين مع وقف التنفيذ.
- تأجير الصراع العقائدي: المضي قدماً في الاستفزازات التلمودية يهدد بتحويل الصراع إلى انفجار ديني شامل لن تقف شرارته عند حدود فلسطين المحتلة.
يبقى المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونماً عقيدة لا تقبل التفاوض ولا القسمة. ورغم آلات البطش وحفريات التهويد ومحاولات طمس الهوية، يظل صمود المرابطين في صحن الصخرة وأروقة القبلي هو السد المنيع الذي تتحطم عليه كافة مخططات التهويد والسيطرة.
المسجد الاقصى
القدس المحتلة
فلسطين
المرابطون
يحيى الشربيني