28 يوليو 2026

تشهد الساحة الميدانية والعسكرية في السودان تحولات جذرية ومتسارعة تعيد رسم خريطة الصراع المسلح بشكل ملحوظ مع إطلالة أواخر شهر يوليو من العام ألفين وستة وعشرين حيث استطاعت القوات المسلحة السودانية مدعومة بالقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية تحقيق اختراق استراتيجي هو الأهم منذ انطلاق العمليات العسكرية قبل أكثر من ثلاثة أعوام وذلك عبر إحكام السيطرة التامة على مفاصل حيوية وطرق إمداد رئيسية كانت تشكل لقرابة الشريان الأطول والأكثر خطورة في تموين قوات الدعم السريع وخطوط تنقلاتها بين إقليم دارفور وعاصمة البلاد وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة لتتويج سلسلة من العمليات العسكرية المحكمة التي نفذتها رئاسة الأركان العامة للجيش السوداني عبر استراتيجية هجومية مدروسة تعتمد على تكتيكات القطع والالتفاف والتطويق المنهجي لجيوب التمرد في عدة جاور ملتهبة وخصوصاً في ولايات كردفان الكبرى وشرق البلاد وجنوبها وسط انهيارات متتالية في صفوف ملشيات الدعم السريع التي باتت تعاني من عزلة ميدانية غير مسبوقة ونقص حاد في القدرات اللوجستية والتموينية نتيجة الحصار والتدمير المنهجي لمركباتها القتالية وشاحنات عتادها العسكري الاستراتيجي وعلي رأسها الطائرات المسيّرة المسلحة التي كانت تعول عليها لإحداث الفارق في المعارك الدفاعية والمتحركة.
وقد تجسد هذا التحول الميداني الأبرز في إعلان القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية السيطرة الكاملة على طريق الصادرات الحيوي الذي يربط العاصمة الخرطوم بولاية شمال كردفان بعد معارك ضارية وعنيفة خاضتها وحدات الجيش وقوات المتحركات والقوة المشتركة التي انطلقت من مواقعها الدفاعية في منطقة رهيد النوبة غربي مدينة أم درمان لتلتحم ببطولة مع قوات الفرقة الخامسة مشاة القادمة من مدينة الأبيض في منطقة جبرة الشيخ مرورا بمناطق أم سيالة وبارا وصولاً إلى تحرير منطقتي أم قرفة وجريجخ وتأمين المحور بالكامل حيث كانت قوات الدعم السريع تتخذ من هذا الشريان الإستراتيجي ممراً رئيسياً لنقل العتاد والجنود والأسلحة منذ اندلاع الصراع في نيسان أبريل من العام ألفين وثلاثة فضلاً عن استخدامه سابقاً في محاولات الهروب والانسحاب من العاصمة وتكمن الأهمية القصوى لهذا التطور العسكري في أنه لم يقتصر فقط على قطع شريان الإمداد الحسي واللوجستي الأهم للميليشيات بل امتد ليعزز وبشكل قاطع مساحة الأمان والاستقرار في الاتجاه الغربي للعاصمة أم درمان ويؤمن مدينة الأبيض الاستراتيجية من الجهة الشرقية المتاخمة لخطوط النار ويفتح الطريق أمام القوات المسلحة لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية والتمشيطية تمهيداً للمرحلة المقبلة من العمليات الكبرى الموجهة نحو إقليم دارفور لتطهيره من كافة المظاهر المسلحة الخارجة عن شرعية الدولة السودانية ومؤسساتها الدستورية السيادية ولم تقتصر العمليات العسكرية الميدانية الناجحة عند حدود طريق الصادرات وولاية شمال كردفان بل امتدت لتشمل جبهات محورية متعددة أبرزها استعادة منطقة أم بادر الحيوية عبر عمليات نوعية نفذتها القوة المشتركة وحلفاؤها لتأمين محيط المدن والبلدات المجاورة وتهيئة الأجواء الأمنية واللوجستية لعودة الخدمات العامة والحياة الطبيعية للمواطنين الذين عانوا الأمرين طوال فترة سيطرة الميليشيات التي عمدت بحسب التقارير الطبية والميدانية إلى تحويل العديد من المرافق الخدمية كالمستشفيات إلى ثكنات عسكرية خربتها ودمرت محتوياتها بالكامل وفي السياق الميداني ذاته أعلن الجيش في وقت سابق عن حصاد عملياته العسكرية الشاملة في عدد من المحاور الأخرى متضمنة تدمير المئات من المركبات القتالية وشاحنات العتاد العسكري الثقيل وإسقاط عدد من الطائرات المسيرة الاستراتيجية المتطورة من طراز إف إتش خمسة وتسعين في محاور جنوب وشمال كردفان والنيل الأبيض إلى جانب النجاح الكبير في استعادة وتطهير مدينة الكرمك والمناطق المجاورة لها في ولاية النيل الأزرق بعد معارك ضارية كبدت الميليشيات خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وأجبرت عناصرها على الفرار والتراجع نحو الحدود المتاخمة وتؤكد هذه المعطيات الميدانية الدقيقة أن المشهد العسكري السوداني يمر بمنعطف حاسم يتجه تدريجياً نحو تقويض قدرات الدعم السريع العسكرية وإضعاف بنيتها التنظيمية والميدانية تحت ضربات الجيش المستمرة والقوات المساندة له وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على مجمل الأوضاع الأمنية والاستراتيجية في البلاد مانحاً الدولة السودانية زمام المبادرة والسيطرة الميدانية الكاملة لإعادة الأمن والاستقرار وبسط هيبة القانون في ربوع السودان المختلفة.