11 يوليو 2026

في قلب المعاناة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها قطاع غزة خلال صيف عام 2026، تبرز أزمة صحية صامتة تتحول إلى كابوس يفتك بآلاف الفلسطينيين يومياً، حيث لم يعد الخطر مقتصراً على نيران الحرب والدمار المستمر، بل امتد ليشمل تفشياً متسارعاً للأمراض الجلدية والأوبئة المعوية في ظل انهيار تام للمنظومة الصحية تحت وطأة الحصار الخانق. وتظهر التقارير الطبية الميدانية مؤشرات مقلقة للغاية، حيث تم رصد أكثر من 9300 إصابة بأمراض جلدية معدية خلال أسبوعين فقط في مختلف مراكز الإيواء، وتتنوع هذه الأمراض بين الجدري المائي، والجرب، والتقمل، والتهابات الجلد البكتيرية، وسط مخاوف جدية وحقيقية من تحول سوء الأوضاع البيئية إلى بؤرة لتفشي الكوليرا وأمراض الجهاز الهضمي الحادة التي تهدد حياة الآلاف، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن الذين يعانون أصلاً من ضعف حاد في المناعة نتيجة سوء التغذية ونقص الغذاء الكافي. وتتركز هذه الإصابات بشكل أساسي في الخيام ومراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة، حيث يعيش مئات الآلاف في مساحات ضيقة للغاية تمنع تطبيق أي إجراءات وقائية أو عزل صحي، وهو ما يعود بالأساس إلى الدمار الشامل في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، مما أدى إلى اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف، وتراكم أطنان من النفايات والركام التي تحولت إلى بيئة مثالية لانتشار الحشرات والقوارض التي تسببت في تسجيل آلاف الحالات من العض التي تنقل أمراضاً خطيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الانعدام التام لمواد التنظيف، والمياه النظيفة، ومستلزمات الاستحمام الأساسية، جعل من السيطرة على انتشار العدوى الجلدية أمراً مستحيلاً في ظل الواقع الحالي. ويعاني القطاع الصحي من عجز دوائي مطبق، حيث تغيب الأدوية الأساسية الخاصة بعلاج الأمراض الجلدية والمضادات الحيوية والمحاليل الوريدية، ولا يقتصر هذا العجز على الأمراض المعدية فحسب، بل يمتد ليشمل أدوية الأمراض المزمنة والمستلزمات الطبية الضرورية، وذلك نتيجة القيود المشددة على المعابر التي تمنع دخول الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية والطبية التي يحتاجها السكان للبقاء على قيد الحياة. إن معالجة هذا الملف الإنساني الخطير تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً يضمن فتح المعابر بشكل كامل ودائم لإدخال المساعدات الطبية، والعمل على إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي وتوفير اللقاحات وحملات التحصين الضرورية لحماية السكان من الأوبئة، إلى جانب إدخال كميات ضخمة من المضادات الحيوية والمراهم العلاجية الضرورية قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة بشكل كامل ويتحول الوضع إلى انهيار صحي شامل يهدد أرواح المدنيين المحاصرين. إن غزة اليوم لا تواجه الحرب بمدافعها فحسب، بل تواجه حرباً بيولوجية تفرضها ظروف الحصار وانعدام البيئة الصحية، وما لم تكن هناك استجابة دولية حقيقية وفعالة لتوفير المتطلبات الصحية الأساسية، فإن القطاع يتجه نحو كارثة صحية لا يمكن تدارك آثارها مستقبلاً، حيث أصبحت كل خيمة في غزة اليوم تمثل نقطة تماس محتملة مع خطر وبائي يهدد بإنهاء ما تبقى من صمود إنساني في القطاع.