بحث


يحيى الشربيني يكتب : من حرب غزة إلى قاعات الأمم: كيف قلب الاعتراف الدولي موازين القضية الفلسطينية

21 سبتمتبر 2025

يحيى الشربيني يكتب : من حرب غزة إلى قاعات الأمم: كيف قلب الاعتراف الدولي موازين القضية الفلسطينية

منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وما خلفته من مآسٍ إنسانية غير مسبوقة، تصاعدت موجة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين بلغت ذروتها في سبتمبر 2025 مع إعلان دول غربية كبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا والبرتغال نيتها الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية ، وهو ما اعتبر تحولاً تاريخياً في موازين المواقف الدولية. هذا التوجه يأتي بعد عقود من السجال الدبلوماسي والقانوني حول مكانة فلسطين، منذ إعلان منظمة التحرير قيام الدولة الفلسطينية عام 1988، مروراً بمنحها صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012 بأغلبية ساحقة، وصولاً إلى انضمامها عام 2015 إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي منحها صلاحيات مقاضاة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية على أراضيها .

اليوم، يعترف بدولة فلسطين نحو 147 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، وهو ما يشكل غالبية واضحة تشمل معظم دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. الجديد أن موجة الاعتراف الأخيرة شملت عواصم غربية مؤثرة تقليدياً في النظام الدولي، بعدما كان الموقف الغربي مقتصراً على دعم "حل الدولتين" نظرياً دون ترجمة عملية. في المقابل، ما زالت الولايات المتحدة وعدد من حلفائها يرفضون الاعتراف الكامل بدعوى أن الأمر يجب أن يكون نتيجة مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية عليهم .

أهمية هذه الاعترافات تتجاوز الطابع الرمزي، إذ تمنح الفلسطينيين أدوات دبلوماسية وقانونية أوسع، بدءاً من الانضمام إلى منظمات ومعاهدات دولية جديدة، مروراً بإمكانية اللجوء المتزايد إلى محكمة العدل الدولية، وانتهاءً بزيادة شرعية دعاوى التحقيق في جرائم الحرب المزعومة المرتكبة في غزة والضفة الغربية. كما أن الاعتراف يمنح السلطة الفلسطينية فرصاً لتعزيز مكانتها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، ما يفتح الباب أمام مساعدات مالية وتنموية يمكن أن تساهم في إعادة بناء المؤسسات وتعزيز مشروع الدولة .

على صعيد الحرب في غزة، لم يوقف الاعتراف العمليات العسكرية لجيش الاحتلال المستمرة، لكنه ضيّق هامش المناورة أمام الكيان المحتل وزاد من كلفة أفعاله على الصعيد الدولي. إذ باتت بعض الدول أكثر حذراً في تزويد الكيان بمكونات عسكرية أو تعاون استخباراتي يمكن أن يعرّضها لمسؤولية قانونية لاحقة، فيما عزز الاعتراف شرعية المطالبات الفلسطينية بالمساءلة عن الانتهاكات. في المقابل، أثار الاعتراف ردود فعل غاضبة داخل الكيان المحتل وأدى إلى تشدد بعض التيارات السياسية التي ترى في هذه الخطوات محاولة لفرض واقع دولي يهدد أمنها القومي، الأمر الذي قد يترجم عملياً في تصعيد عسكري أو تضييق جديد في الضفة الغربية .

اقتصادياً وإنسانياً، فتح الاعتراف آفاقاً جديدة لتدفق المنح والمساعدات، لكنه جعلها في الوقت نفسه مشروطة بإصلاحات سياسية داخلية وتوحيد المؤسسات الفلسطينية. بينما يرى مراقبون أن هذا التحول قد يساهم في دفع عملية إعادة الإعمار وإرساء بنية تحتية لدولة فاعلة، يحذر آخرون من أن التعقيدات السياسية والاشتراطات الدولية قد تجعل المساعدات وسيلة للضغط أكثر من كونها دعماً إنسانياً مباشراً، ما قد يفاقم معاناة سكان غزة إذا لم تُربط هذه المساعدات بحلول إنسانية عاجلة .

على المستوى الدولي، قد يشكل الاعتراف الجماعي مقدمة لعقد مؤتمرات دولية جديدة أو مبادرات لإحياء عملية السلام، لكن استمرار الموقف الأمريكي الرافض حتى الآن يقلل من فرص تحول الاعتراف إلى تسوية سياسية ملزمة. ومع ذلك، فإن تغير مواقف عواصم غربية رئيسية يعكس تحولاً تدريجياً في المزاج العالمي، إذ باتت صور الحرب في غزة وضغوط الرأي العام تدفع حكومات لم تكن تفكر سابقاً بالاعتراف إلى اتخاذ هذه الخطوة .

  الاعتراف بدولة فلسطين هو مكسب سياسي وقانوني للفلسطينيين يفتح أمامهم آفاقاً جديدة للمساءلة والدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتمثل في تصعيد أمني من جانب الكيان المحتل وانقسامات فلسطينية داخلية قد تُضعف أثره على الأرض. وما لم يقترن هذا التحول الدبلوماسي بوقف شامل لإطلاق النار، وبآليات فاعلة لإيصال المساعدات وإعادة الإعمار، وبإصلاحات سياسية داخلية، فإن الاعتراف سيظل خطوة متقدمة لكنها غير كافية لحل أعمق قضايا الصراع المستمر منذ أكثر من سبعة عقود .


فلسطين الاعتراف بدولة فلسطين عزة فلسطين في الأمم المتحدة الولايات المتحدة الشعب الفلسطيني يحيى الشربيني
شاهد أيضًا
الحسين عبدالرازق يكتب: أمريكا والإخوان!

الحسين عبدالرازق يكتب: أمريكا والإخوان!

15 يناير 2026
الإعلامي خالد زكريا يكتب: قبل فوات الآوان

الإعلامي خالد زكريا يكتب: قبل فوات الآوان

07 يناير 2026
فاطمة أشرف فخري تكتب: العراق فنزويلا.. الراحل صدام والمعتقل مادورو

فاطمة أشرف فخري تكتب: العراق فنزويلا.. الراحل صدام والمعتقل مادورو

03 يناير 2026
سماح صادق قناوي تكتب: حين تعجز اللغة

سماح صادق قناوي تكتب: حين تعجز اللغة

31 ديسمبر 2025
الحسين عبد الرازق يكتب: أوقفوا هذا الإسفاف!

الحسين عبد الرازق يكتب: أوقفوا هذا الإسفاف!

31 ديسمبر 2025
يحيى الشربيني يكتب: اعتراف سياسي أم مقامرة استراتيجية؟ إسرائيل تعيد رسم الخرائط خارج القانون الدولي

يحيى الشربيني يكتب: اعتراف سياسي أم مقامرة استراتيجية؟ إسرائيل تعيد رسم الخرائط خارج القانون الدولي

28 ديسمبر 2025
رقيه فريد تكتب: حين يأتي الاهتمام عكس الاتجاه

رقيه فريد تكتب: حين يأتي الاهتمام عكس الاتجاه

25 ديسمبر 2025
سوزان حسين تكتب: كيف تتخطى الألم النفسي

سوزان حسين تكتب: كيف تتخطى الألم النفسي

25 ديسمبر 2025
الحسين عبدالرازق يكتب:نرفض هذه الإعلانات!

الحسين عبدالرازق يكتب:نرفض هذه الإعلانات!

24 ديسمبر 2025
سماح صادق قناوي تكتب: الصوت المشنوق

سماح صادق قناوي تكتب: الصوت المشنوق

21 ديسمبر 2025
الحسين عبدالرازق يكتب: المترو في بلدنا!

الحسين عبدالرازق يكتب: المترو في بلدنا!

18 ديسمبر 2025
الإعلامي خالد زكريا يكتب: التقدم لايبني بالشعارات بل بإمتلاك الشجاعة في تغيير العادات الخاطئة

الإعلامي خالد زكريا يكتب: التقدم لايبني بالشعارات بل بإمتلاك الشجاعة في تغيير العادات الخاطئة

18 ديسمبر 2025
بشري غالي…نموذج مشرف يجمع بين الكفاءة المهنية والخلق الرفيع

بشري غالي…نموذج مشرف يجمع بين الكفاءة المهنية والخلق الرفيع

14 ديسمبر 2025
يحيى الشربيني يكتب: إيران على حافة الانهيار: أزمات داخلية وضغوط إقليمية لا تنتهي

يحيى الشربيني يكتب: إيران على حافة الانهيار: أزمات داخلية وضغوط إقليمية لا تنتهي

13 ديسمبر 2025
الحسين عبدالرازق تكتب: دولة التلاوة في دولة التلاوة!

الحسين عبدالرازق تكتب: دولة التلاوة في دولة التلاوة!

10 ديسمبر 2025
الحسين عبد الرازق يكتب: قرار حكيم لوزير التعليم!

الحسين عبد الرازق يكتب: قرار حكيم لوزير التعليم!

02 ديسمبر 2025
سماح صادق قناوي تكتب: غيوم قاسية

سماح صادق قناوي تكتب: غيوم قاسية

02 ديسمبر 2025
سماح صادق قناوي تكتب: احمرُ الوجع

سماح صادق قناوي تكتب: احمرُ الوجع

19 نوفمبر 2025
الحسين عبد الرازق يكتب: قراءة في كلمة الرئيس

الحسين عبد الرازق يكتب: قراءة في كلمة الرئيس

19 نوفمبر 2025
عبدالمنعم ابراهيم يكتب :افتتاح محطات موانئ بورسعيد إنجاز استراتيجي يرسّخ مكانة مصر اللوجستية عالمياً

عبدالمنعم ابراهيم يكتب :افتتاح محطات موانئ بورسعيد إنجاز استراتيجي يرسّخ مكانة مصر اللوجستية عالمياً

16 نوفمبر 2025
التعليقات