31 ديسمبر 2025

دخلت أحدث موجة من الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الرابع، في ظل تصاعد التوتر بين الشارع الغاضب والسلطات، وتزايد التحذيرات الرسمية من استغلال التحركات الشعبية في «زعزعة الاستقرار»، بالتزامن مع اعتراف حكومي بعمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد نتيجة تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم وتفاقم الضغوط المعيشية.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده تواجه «ضغوطاً متعددة» خارجية وداخلية، معرباً عن أسفه لوجود إجراءات داخلية «تلحق الضرر بالبلاد وتضعفها»، مؤكداً أن تحسين معيشة المواطنين يمثل هاجساً يومياً للحكومة. وأشار إلى العمل على اتخاذ خطوات أساسية لإصلاح النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على القوة الشرائية للإيرانيين، في وقت تشهد فيه الأسواق اضطرابات غير مسبوقة.
وفي موازاة ذلك، شددت السلطة القضائية والأجهزة الأمنية من لهجتها، إذ قال المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي آزاد، في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي، إن «الاحتجاجات المعيشية السلمية مفهومة وتمثل جزءاً من الواقع الاجتماعي»، داعياً إلى التعامل معها ضمن الأطر القانونية. لكنه حذّر في المقابل من أن «أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لخلق انعدام الأمن أو تخريب الممتلكات العامة أو تنفيذ سيناريوهات مصممة من الخارج ستواجه برد قانوني متناسب وحاسم».
الموقف ذاته عبّر عنه قائد ميليشيا «الباسيج» غلام رضا سليماني، الذي اتهم «أعداء إيران» بالتركيز على القضايا الاقتصادية والمعيشية، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى «الركوب على موجة السخط الشعبي» ودفع عناصر تابعة لهما إلى الواجهة.
وجاءت هذه التحذيرات في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الهبوط الحاد في قيمة الريال الإيراني، وهو ما يُعد أكبر موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ نحو ثلاث سنوات. وبدأت التجمعات الأحد الماضي، واستمرت حتى الأربعاء، حيث شملت محافظات فارس وأصفهان وخراسان وكرمانشاه ولرستان، إضافة إلى العاصمة طهران.
وأفادت تقارير محلية من مدينة فسا في محافظة فارس الجنوبية بوقوع تجمعات احتجاجية تخللها تدخل أمني، واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين في بعض الشوارع. وردد المشاركون شعارات مرتبطة بارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية. ونقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام رسمية أن محتجين حاولوا اقتحام مبنى حكومي محلي، فيما أعلنت السلطات إحباط المحاولة واعتقال «زعيمة مثيري الشغب»، وهي امرأة تبلغ من العمر 28 عاماً.
بدورها، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» بتوقيف أربعة «مهاجمين» وإصابة ثلاثة من أفراد قوات الأمن خلال الحادث، بينما بثت وسائل إعلام رسمية مقاطع فيديو تُظهر محاولات لفتح بوابة المبنى بالقوة.
وامتد الحراك من الأسواق التجارية في طهران إلى الجامعات وعدد من المدن الكبرى، في تطور لافت يعكس عمق الغضب الشعبي. وأظهرت مقاطع متداولة محتجين يشعلون النيران ويغلقون شوارع في مواجهة قوات مكافحة الشغب. كما سُجلت مظاهرات طلابية في جامعات عدة بالعاصمة وأصفهان، إلى جانب تجمعات في كرمانشاه وشيراز ويزد وهمدان وأراك، وسط انتشار أمني مكثف.
ورغم ذلك، أفاد تقرير لوكالة «الصحافة الفرنسية» من طهران بأن وتيرة هذه التحركات لا تزال أقل اتساعاً مقارنة بموجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها.
وفي محاولة لاحتواء الموقف داخل الجامعات، أعلنت وزارة العلوم إجراء تغييرات في إدارات الحراسات بعدد من جامعات طهران، ووصفتها بأنها «إجراءات إدارية معتادة»، فيما أكدت جامعة طهران الإفراج عن أربعة طلاب أُوقفوا خلال تجمعات الثلاثاء.
على الصعيد الحكومي، أكدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن «الاحتجاج السلمي حق مكفول دستورياً»، مشددة على ضرورة الفصل بين الاحتجاجات المعيشية والقضايا السياسية. وقالت إن الحكومة ملتزمة بسماع صوت الناس ومعالجة المشكلات، مشيرة إلى أن التضخم الذي يتجاوز 50 في المائة يبرر تصاعد الغضب الشعبي.
غير أن تصريحات مهاجراني قوبلت بانتقادات حادة من صحيفة «كيهان» المقربة من مكتب المرشد علي خامنئي، حيث وصف رئيس تحريرها حسين شريعتمداري الاحتجاجات بأنها «مصممة من قبل إسرائيل»، واعتبر المحتجين «أدوات للنظام الصهيوني».
اقتصادياً، أعلنت الحكومة تعيين عبد الناصر همتي محافظاً جديداً للبنك المركزي خلفاً لمحمد رضا فرزين، الذي استقال على خلفية التراجع القياسي في قيمة الريال. وتعهد همتي بكبح التضخم وتوحيد سعر الصرف ومكافحة الفساد المرتبط بتعدد أسعار العملة، مؤكداً أن الإصلاحات النقدية تمثل أولوية قصوى.
ويأتي ذلك في ظل تداول الدولار عند مستوى 1.38 مليون ريال، مقارنة بنحو 430 ألف ريال عام 2022، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، وزاد من الأعباء على الأسر المتضررة أصلاً من العقوبات الغربية.
وفي الخارج، جددت الولايات المتحدة دعمها للمحتجين، بينما وجّه مسؤولون إسرائيليون رسائل علنية للإيرانيين، في خطوة اعتبرتها طهران دليلاً على محاولات التدخل الخارجي. وتزامن ذلك مع تحذيرات أميركية وإسرائيلية لإيران بشأن برامجها النووية والصاروخية، ما يضفي على المشهد الداخلي بعداً إقليمياً ودولياً يزيد من تعقيد الأزمة.