تشهد الأوضاع الأمنية في السودان تطورات لافتة، في ظل تأكيدات رسمية بتحسن ملحوظ في العاصمة الخرطوم، بالتوازي مع تقدم عسكري للجيش السوداني في عدد من المحاور، لا سيما في إقليم كردفان، الذي يعد من أكثر المناطق سخونة خلال الفترة الأخيرة.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الدفاع السوداني، حسن كبرون، اليوم الأربعاء، أن العاصمة الخرطوم بدأت تستعيد عافيتها تدريجياً، بعد فترة طويلة من الاضطرابات الأمنية والمعارك العنيفة التي أثرت على حياة الملايين من المواطنين.
وأكد وزير الدفاع أن التحسن الأمني انعكس بشكل واضح على عودة السكان إلى منازلهم، مشيراً إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات رجوع المواطنين إلى أحيائهم السكنية، بعد أشهر من النزوح القسري بسبب الاشتباكات المسلحة. وأضاف أن العاصمة تشهد حالياً حالة من الاستقرار النسبي، مع تراجع واضح في مظاهر الوجود العسكري داخل الأحياء السكنية، والعمل على إفراغ المدينة من التشكيلات المسلحة غير النظامية.
وأوضح كبرون أن هذا التحسن ساهم أيضاً في بدء عودة المؤسسات الحكومية والسفارات الأجنبية تدريجياً إلى الخرطوم، في خطوة وصفها بالمهمة على طريق استعادة الدولة لمركزها الإداري والسياسي، وإعادة تطبيع الحياة العامة في العاصمة. واعتبر أن عودة البعثات الدبلوماسية تمثل مؤشراً إيجابياً على تنامي الثقة في الوضع الأمني، رغم التحديات المستمرة في عدد من الولايات.
وفي إطار الإجراءات الأمنية المصاحبة لهذه المرحلة، شدد وزير الدفاع السوداني على ضرورة تطبيق القانون بحزم على الأجانب المقيمين داخل البلاد بطرق غير شرعية، مؤكداً أن الدولة لن تتهاون في التعامل مع هذه الملفات، نظراً لما تمثله من مخاطر أمنية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وأشار إلى استمرار حملات حصر وترحيل المخالفين لقوانين الإقامة، ضمن خطة شاملة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة وبقية المدن الكبرى.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تكثف فيه الحكومة السودانية جهودها لتهيئة البيئة المناسبة لعودة الحياة الطبيعية إلى الخرطوم، حيث عقدت اللجنة العليا المعنية بعودة المواطنين عدة اجتماعات خلال الأيام الماضية لمتابعة الترتيبات الأمنية والخدمية. وتشمل هذه الترتيبات إغلاق مكاتب بعض الحركات المسلحة داخل العاصمة، وترحيل عدد من الأجانب المخالفين، إلى جانب إعادة تشغيل المرافق الخدمية الأساسية تدريجياً.
وفي غرب السودان، أعلن الجيش السوداني تحقيق تقدم ميداني جديد، بعد تمكنه من استعادة السيطرة على مدينة الدبيبات الواقعة في ولاية جنوب كردفان، عقب معارك وُصفت بالعنيفة مع المليشيات المسلحة في المنطقة. ونقل مراسل قناة "القاهرة الإخبارية" من الخرطوم، محمد إبراهيم، أن الاشتباكات أسفرت عن انسحاب القوات المعادية من المدينة، وفرض الجيش سيطرته الكاملة عليها، في خطوة تعزز موقفه العسكري في الإقليم.
وتندرج السيطرة على الدبيبات ضمن سلسلة من العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش السوداني لتأمين المناطق الاستراتيجية، وقطع خطوط الإمداد عن المليشيات المسلحة، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية أو أهمية لوجستية. ويرى مراقبون أن هذا التقدم قد يسهم في تخفيف الضغوط الأمنية عن ولايات أخرى، إذا ما استمرت العمليات بالوتيرة نفسها.
وفي سياق متصل، أعلن الجيش السوداني أيضاً استعادته السيطرة على مدينتي كازقيل والرياش بولاية شمال كردفان، بعد مواجهات مع قوات الدعم السريع. وأكدت مصادر عسكرية أن هذه العمليات أسفرت عن تكبيد القوات المعادية خسائر في العتاد والأفراد، مع استمرار عمليات التمشيط لتأمين المناطق المحيطة.
ويشهد إقليم كردفان، الذي يضم ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان، تصعيداً ملحوظاً في وتيرة المواجهات خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، أدت هذه الاشتباكات إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، في ظل نقص حاد في الغذاء والخدمات الصحية، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق المتأثرة.
ويعيش السودان منذ 15 أبريل 2023 على وقع حرب دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل الآلاف ونزوح الملايين داخلياً وخارجياً، وسط أزمة إنسانية غير مسبوقة. وعلى الرغم من الجهود الإقليمية والدولية المتواصلة لوقف إطلاق النار والتوصل إلى هدنة إنسانية مستقرة، فإن هذه المساعي لا تزال تواجه تحديات كبيرة بسبب تعقيدات المشهد العسكري والسياسي.
وبين تحسن نسبي في الوضع الأمني بالعاصمة وتقدم ميداني في بعض الجبهات، يبقى مستقبل الاستقرار في السودان مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى حلول سياسية شاملة، تضع حداً لمعاناة المدنيين، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية إلى البلاد.

