20 يناير 2026

دخل المشهد السوري مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، عقب إعلان القيادة العامة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، يوم الاثنين، النفير العام ودعوتها الشباب في مناطق شمال وشرق سوريا، إضافة إلى أوروبا، للانضمام إلى ما وصفته بـ«المقاومة»، وذلك بعد تسريبات أكدت فشل اجتماع دمشق الذي جمع الحكومة السورية ووفداً أميركياً وقيادة «قسد»، والذي كان يهدف إلى تثبيت بنود اتفاق مبدئي يقضي بدمج «قسد» ضمن الدولة السورية والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
وجاء إعلان النفير في بيان حمل عنوان «إلى شعبنا المقاوم»، أكدت فيه «قسد» أن مناطقها تتعرض منذ السادس من يناير لهجمات وصفتها بـ«الوحشية والبربرية»، متهمة تركيا وفصائل موالية لها بتنفيذ هذه الهجمات، ومحذرة من أن مدنها ستكون «مقبرة لأصحاب عقلية داعش الجدد»، على حد تعبير البيان.
فشل اجتماع دمشق
وبحسب مصادر سورية مطلعة، فإن الاجتماع الذي عُقد في دمشق، الاثنين، بين الحكومة السورية والمبعوث الأميركي توم براك ووفد من «قسد» برئاسة مظلوم عبدي، فشل بعد خمس ساعات من النقاشات المكثفة. الاجتماع حضره الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ومدير المخابرات حسين السلامة، إضافة إلى الوفد الأميركي.
وأفادت المصادر بأن مظلوم عبدي تراجع عن الاتفاق الذي كان قد وقّعه سابقاً، والذي ينص على وحدة الأراضي السورية ودمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، كما رفض تولي منصب نائب وزير الدفاع أو ترشيح شخصية لمنصب محافظ الحسكة. وأشارت تقارير لوكالة الأنباء الألمانية إلى أن هذا التراجع جاء نتيجة ضغوط من قيادات في حزب العمال الكردستاني، رغم أن الاتفاق كان برعاية الزعيم الكردي العراقي السابق مسعود برزاني.
وأضافت المصادر أن عبدي طالب بأن تبقى محافظة الحسكة تحت إدارة «قسد» كشرط لإتمام الاتفاق، إلا أن الرئيس الشرع رفض هذا الطرح بشكل قاطع، مؤكداً أن الحسكة جزء لا يتجزأ من الدولة السورية ولا يمكن إخضاعها لأي إدارة مستقلة. وعندما طلب عبدي مهلة خمسة أيام للتشاور مع قيادة «قسد»، رفض الشرع المهلة وطالبه برد نهائي مع نهاية اليوم، ملوحاً بإبلاغ الأطراف الدولية بانسحاب عبدي من الاتفاق، وأن الدولة السورية ستتعامل مع ملف الحسكة «بالقوة» إذا لزم الأمر.
بيان النفير والتصعيد السياسي
في بيان النفير، قالت «قسد» إن مقاتليها يقاتلون «بشجاعة وتضحية كبيرة» في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها مناطقها، متهمة تركيا باستخدام فصائل وصفتها بـ«ذوي عقلية داعش». وأكدت أنها ستكرر ما حدث في مدينة كوباني عام 2014، عندما تحولت المدينة إلى «مقبرة لتنظيم داعش»، على حد وصفها.
وجاء في البيان: «كما خاض رفاقنا مقاومة تاريخية في كوباني عام 2014 وجعلوها مقبرة لداعش المدعوم من تركيا، فإننا اليوم وبنفس الإرادة سنجعل من مدننا، من ديرك إلى الحسكة وكوباني، مقبرة لأصحاب عقلية داعش الجدد الذين تديرهم الدولة التركية». وختم البيان بالتأكيد أن «اليوم هو يوم الكرامة والمسؤولية التاريخية»، داعياً جميع الشباب إلى الالتحاق بما سماه «صفوف المقاومة».
من التفاوض إلى التمهيد العسكري
ميدانياً، شهدت محافظة الرقة تطوراً لافتاً مع انتقال الجيش السوري من مسار التفاوض إلى التمهيد العسكري، بعد تعثر المحادثات مع مجموعات مسلحة تتحصن في مواقع حساسة شمال المدينة، أبرزها سجن الأقطان ومحيط الفرقة 17. وأكدت مصادر ميدانية أن الجيش بدأ تعزيز قواته في محيط تلك المناطق، في إشارة إلى اقتراب عملية عسكرية واسعة تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس نفاد صبر دمشق من المراوغات السياسية، خصوصاً بعد فشل اتفاقات سابقة كانت تهدف إلى إعادة دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية دون اللجوء إلى القوة.
اتصال الشرع – ترمب
على الصعيد الدولي، أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحثا خلاله تطورات الوضع في سوريا. وأكد الرئيسان دعمهما لوحدة سوريا وضرورة مكافحة الإرهاب، وشددا على أهمية الحفاظ على استقلال البلاد ووحدة أراضيها.
كما شدد الجانبان على ضرورة ضمان حقوق الشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية، واتفقا على مواصلة التعاون في مكافحة تنظيم «داعش» وإنهاء تهديداته. وأعرب الشرع وترمب عن تطلعهما لرؤية سوريا «قوية وموحدة» قادرة على مواجهة التحديات، مع التأكيد على أهمية منحها فرصة حقيقية للمضي نحو مستقبل أفضل.
مرحلة حاسمة
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الملف السوري، وخصوصاً في مناطق شمال وشرق البلاد، دخل مرحلة حاسمة قد تحدد شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة. فبين فشل التفاوض وتصاعد لهجة «قسد» بإعلان النفير العام، وتحركات الجيش السوري الميدانية، يبدو أن خيار الحسم العسكري بات مطروحاً بقوة، في وقت تحاول فيه القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الموازنة بين دعم وحدة سوريا وضمان حقوق الأكراد، ومنع عودة تنظيم «داعش» إلى الواجهة.