16 مايو 2026

في ناقوس خطر مدوٍّ يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الأشقاء في السودان، خرجت الأمم المتحدة ببيان تحذيري شديد اللهجة، أعلنت فيه أن أزمة الجوع في البلاد باتت قاب قوسين أو أدنى من التحول إلى "مأساة كبرى" لا يمكن السيطرة عليها، ما لم يكن هناك تحرك دولي عاجل وفوري لإنقاذ الموقف، في ظل وجود نحو 20 مليون شخص يواجهون حالياً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بسبب الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع التي اندلعت في أبريل 2023، وتحولت معها البلاد إلى صاحب أكبر أزمة جوع على مستوى العالم.
وفي بيان مشترك صدم الأوساط الدولية، كشفت منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أن نحو 19.5 مليون سوداني—أي ما يعادل اثنين من كل خمسة مواطنين—يعانون في الوقت الراهن من مستويات حرجة ومرعبة من الجوع. واستندت المنظمات الأممية في هذه الأرقام المفزعة إلى أحدث تقارير "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (آي بي سي) المدعوم من الأمم المتحدة، وهو ما جعل المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، تطلق صرخة استغاثة مؤكدة أن الجوع وسوء التغذية يهددان حياة الملايين، ومطالبة العالم بالاستيقاظ لوقف هذه الفاجعة.
الكارثة الإنسانية لم تتوقف عند حدود نقص الغذاء؛ فالحرب الدامية التي دخلت عامها الرابع خلّفت وراءها عشرات الآلاف من القتلى، وتسببت في نزوح وتشريد أكثر من 11 مليون مواطن داخل السودان وخارجه. ومع التطورات الميدانية الأخيرة وسيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر—آخر معاقل الجيش في غرب دارفور—امتدت شرارة القتال العنيف إلى إقليم كردفان المجاور، وولاية النيل الأزرق في الجنوب الشرقي بالقرب من الحدود الإثيوبية، كما تصاعدت الهجمات بالطائرات المسيرة بشكل مرعب أسفر عن مقتل نحو 880 مدنياً، وتشريد 350 ألف شخص إضافي في جولة النزوح الأخيرة.
التقرير الأممي وضع خطاً أحمر تحت 14 منطقة في دارفور وجنوب كردفان، مؤكداً أنها باتت عرضة لخطر المجاعة الشاملة والفورية إذا تصاعدت حدة الاشتباكات أو استمر حصار الغذاء، مشيراً إلى أن 135 ألف شخص يعيشون بالفعل حالياً مستويات كارثية من الجوع الشديد. ورغم أن الرقم الإجمالي تراجع بنسبة طفيفة مقارنة بأرقام سابقة تجاوزت الـ 21 مليوناً—وذلك بعد أن استعاد الجيش السيطرة على كادوقلي ونزوح معظم سكان الفاشر المنكوبة—إلا أن الوضع لا يزال يغلي فوق صفيح ساخن.
وفي مشهد يدمي القلوب، يدفع أطفال السودان الثورة الأكبر من فاتورة هذه الحرب القذرة؛ حيث تشير التوقعات الصادمة إلى أن 825 ألف طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء تغذية حاد وخطير، بزيادة قدرها 7% عن العام الماضي. ومن جانبها، وصفت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، الوضع الإنساني للأطفال بعبارات تقشعر لها الأبدان، قائلة إن الأطفال يصلون إلى المراكز الطبية المتهالكة وهم في حالة وهن وضعف شديد لدرجة أنهم لا يستطيعون حتى البكاء، محذرة من حصاد مرير لأرواح البرآء إن لم يتوقف هذا النزيف فوراً، لا سيما مع تفاقم التوترات السياسية في منطقة الشرق الأوسط والتي ألقت بظلالها السوداء على زيادة أسعار الغذاء والوقود عالمياً.