في غضون تسعة أيام فقط، انقلبت الخارطة الميدانية والسياسية في اليمن رأساً على عقب، لتستيقظ المنطقة على واقع عسكري محدم أطاح بكافة التفاهمات الهشة وأعاد رسم مشاهد الصراع في واحدة من أهم النقط الاستراتيجية على مستوى العالم. فمنذ الأشرار الأولى لصباح الأول من سبتمبر وحتى اليوم التاسع منه، دخلت الأزمة اليمنية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد الميداني الشامل، حوّلت الجبهات الممتدة من ريف تعز والساحل الغربي وصولاً إلى جبال مأرب والبيضاء والجوف إلى مسرح عمليات مفتوح، ودقت ناقوس الخطر مجدداً حول أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستقرار الإقليم بأكمله.
بدأت أولى شرارات هذا الانفجار العسكري في الأول من سبتمبر، عندما نفذت عناصر ميليشيا الحوثي التابعة لإيران محاولات تسلل وانقضاض مكثفة على جبهات متعددة، كان أبرزها التصدي لزوارق انتحارية بالقرب من جزيرتي حنيش وزقر بالبحر الأحمر، بالتوازي مع تحركات مريبة ومحاولات إعاقة خطوط الملاحة. ولم تكد تمر أربع وثمانون ساعة حتى انفجر المشهد بالكامل في الثالث من سبتمبر مع شن الميليشيات هجوماً واسع النطاق على مواضع تمركز قوات الحكومة الشرعية في غرب محافظة تعز وجبهات الساحل الغربي، وهو الهجوم الذي استمر لأكثر من خمس عشرة ساعة متواصلة في منطقتي الغيل والحناية بالوازعية. رد القوات الحكومية لم يتأخر؛ حيث تلقت العناصر المهاجمة ضربات موجعة دفع بها الجيش اليمني مدعوماً بألسنة نيران القوات المشتركة وألواح من قوات العمالقة الجنوبية، ليدشن عملية مضادة واسعة لم تقتصر على صد الهجوم فحسب، بل امتدت لتشمل فتح جبهات جديدة وتطهير مواقع استراتيجية كانت الميليشيات تتخذ منها منصات لإطلاق الصواريخ والمسيرات.
ومع دخول اليوم الرابع والخامس انتقلت شرارة المعارك إلى جبال مأرب الشاهقة ومرتفعات البيضاء والجوف. ودكّت المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ التابعة للجيش اليمني تحصينات الميليشيات في جبهة المشجح وغرب مأرب، بينما خاضت قوات العمالقة المعارك الأشرس في التضاريس الوعرة بمحافظة البيضاء. وأسفرت العمليات النوعية والمواجهات العنيفة خلال هذه الأيام عن سقوط مئات القتلى والجرحى من الطرفين في أدمى مواجهة تشهدها البلاد منذ انهيار الهدنة الأممية، إلى جانب نجاح القوات الحكومية في أسر قيادات ميدانية بارزة والسيطرة على سلسلة من التباب والمواقع الحاكمة التي تقطع خطوط إمداد الميليشيات بين المحافظات الوسطى والغربية.
غير أن تحولاً استراتيجياً وإقليمياً خطيراً شهده الميدان خلال يومي السادس والسابع من سبتمبر، حينما وسعت ميليشيا الحوثي نطاق اعتداءاتها العابرة للحدود بشكل غير مسبوق، موجهة ضربات مكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة باتجاه مناطق آهلة بالسكان وأعيان مدنية واقتصادية في جنوب المملكة العربية السعودية. وطالت تلك الهجمات أهدافاً في مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، مما أسفر عن إصابة نحو ثلاثة وسبعين مدنياً وإلحاق أضرار مادية بمبان وممتلكات خاصة. ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، بل واصلت الميليشيات استهداف السفن التجارية وشرايين الملاحة البحرية الدولية بالقرب من مضيق باب المندب، وهو ما أثار موجة سخط واستنكار دولي واسع؛ حيث دانت سفارات ودول عربية وأجنبية هذا التصعيد الغاشم، مؤكدة أنه يهدد أمن الطاقة الدولي ويكسّر كل الجهود الدبلوماسية المبذولة للتوصل إلى حل سياسي.
رد الفعل الإقليمي والعسكري المباشر جاء سريعاً وجاسراً خلال يومي الثامن والتاسع من سبتمبر، إذ أطلق التحالف العربي بالتعاون مع القوات المسلحة اليمنية العملية الجوية والأرضية الأشد قسوة منذ سنوات. وشنت مقاتلات التحالف أكثر من أربعين غارة جوية مكثفة استهدفت معسكرات التدريب ومخازن الأسلحة النوعية ومصانع تجميع المسيرات ومواقع إطلاق الصواريخ في العاصمة صنعاء، ومحافظات الجوف، والحديدة، وتعز، والبيضاء. وفي الجوف، دمرت القصف المقار القيادية وغرف العمليات الميدانية للميليشيات في مركز المحافظة.
وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية والسياسية المكثفة المزاحمة للميدان، عقد الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، اليوم الأربعاء التاسع من سبتمبر، اجتماعاً رفيع المستوى مع سفراء وممثلي البعثات الدولية ومجلس التعاون الخليجي، وضعهم خلاله أمام صورة التطورات الميدانية خطوة بخطوة. وأكد العليمي خلال الاجتماع أن الحكومة الشرعية باتت أمام مسؤولية تاريخية لحماية الشعب اليمني ومقدراته فرضها هذا التصعيد الميداني الحوثي، مشدداً على أن قرار الجاهزية القتالية والتصدي للعدوان هو الخيار الوحيد المطروح حالياً للتصدي للمشروع الإيراني ودعم الأمن الاستقراري للمنطقة.
لكن الوجه الأكثر إيلاماً لهذه التطورات المتسارعة تمثل في الفاتورة الإنسانية الباهظة التي دفعها المدنيون العزل؛ إذ أعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين اليوم عن نزوح أزيد من ألف وثلاثمئة وسبع وستين أسرة جديدة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط من مناطق تعز والحديدة ولحج، فراراً من وطأة القصف العشوائي واحتدام القتال في مناطق سكنهم. ومع تزامن هذا التصعيد الميداني العنيف مع تفاقم الأزمات الصحية وظروف الأحوال الجوية السيئة والفيضانات، ينحدر اليمن نحو هاوية كارثة إنسانية معقدة تصعب السيطرة عليها.
تطوى التسعة أيام الأولى من شهر سبتمبر لترسم لوحة قاتمة لمستقبل المشهد اليمني؛ حيث تبددت كل آمال التهدئة واستعادة مسار السلام للوقت الحالي، ولتؤكد الوقائع على الأرض أن الساحة اليمنية باتت اليوم في قلب مواجهة مفتوحة وقاسية، يتداخل فيها العسكري بالسياسي والإقليمي بالدولي، مفصحة عن أن الأيام القليلة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت التي قد تعيد رسم خريطة القوى في شبه الجزيرة العربية بأكملها.